
صلاح دندراوي يكتب: عودة المواطنين .. هل نستلهم التجربة من الجزيرة؟
نقطة ضوء
صلاح دندراوي
عودة المواطنين .. هل نستلهم التجربة من الجزيرة؟
هذه الأيام ما تنفك النداءات توجه للمواطنين الذين نزحوا من الخرطوم إبان إندلاع الحرب بالعودة إليها بعد إنجلاء التمرد عنها، والتي أبلت فيها قواتنا المسلحة والقوات المساندة لها بلاءا حسنا حتى تمكنت من إجلاء الخطر عنها..
والحكومة في إطار دعوتها للمواطنين دفعت بكثير من المغريات والتطمينات في أن الخرطوم مهيئة تماما لإستقبالهم.
وأحسب أن مثل هذا الموقف كان قد حدث في ولاية الجزيرة من قبل، لا سيما وأن الظرفين يتشابهان في خانة أن الولايتين قد سطت عليهما المليشيا، وأعملت فيهما القتل والسلب والنهب وشردت المواطنين من ديارهم وجعلتهم هائمون في الولايات الآمنة وخارج الوطن. وإن كانت ولاية الجزيرة أكثر تأثرا بتلك الحرب سواء على النطاق البشري حيث أزهقت كثير من الأرواح، ودمرت كافة البنى التحتية، وسلبت ونهبت الأموال والدواب والماشية ولم تسلم حتى الأثاثات وعدة المطبخ.
ولكن بحكم معايشتي لما إتبعته ولاية الجزيرة من إستراتيجية كان هو مفتاح عودة المواطنين لديارهم بهذه السرعة وعودة الحياة إلى طبيعتها.
وقد كان للرؤية الصائبة والإنسجام الكبير بين حكومة الولاية، واللجنة الأمنية، العامل المؤثر في هذا النجاح. رغم فقر الإمكانيات وإنعدام الميزاتيات إلا أن ما حدث خلال الأربعة اشهر الأولى فقط كان يفوق التوقع، فقد كانت قوافل العودة للولاية تنتظم دون حتى نداءات ملحة، وأحسب أن هنالك عوامل شتى ساهمت في هذه العودة الطوعية، أولاها توفير الأمن فقد عمدت الولاية منذ يومها الأول لتحريرها أن تبسط الأمن وذلك بفضل التناغم الكبير بين الأجهزة الأمنية المختلفة من قوات مسلحة، وشرطة، ومخابرات، وقوات مساندة حيث تشكلت قوة مشتركة تضم كل هذه الجهات، وجعلت تنظم حملات متوالية وكردونات حول بعض المناطق، ومحاربة كثير من الظواهر السالبة، فكانت تلك خطوة أولى في استتباب الأمن والمحفز الأكبر لعودة المواطنين، وثانيها كانت توفير الخدمات، فعند تحرير الولاية لم يكن هنالك مرفق واحد يعمل، فكل المرافق الخدمية من كهرباء، ومياه، وصحة، وتعليم، قد طالتها يد التخريب، فعمدت الولاية أولا في توفير المياه وذلك عبر إستخدام الطاقة الشمسية، فألحقت بكل محطة مياه منظومة طاقة شمسية، حتى تجاوز عدد منظومات الطاقة الشمسية الثلاثة آلاف منظومة فتدفقت المياه في كافة الأنحاء، ثم توجهت الجهود نحو تأهيل المستشفيات، والمراكز الصحية بتكملة النواقص والدفع بمنظومات الطاقة الشمسية لتوفير الكهرباء وبالفعل دارت عجلة الخدمات الصحية للحد الذي جعل يفاخر واليها الطاهر الخير بأن الولاية إستردت الخدمة بكافة مستشفياتها التي تفوق المائة، ومراكزها الصحية التي تقارب الألف مركز، لتنتقل من التوفير إلى تجويد الخدمة. ثم عكفت على الكهرباء فإستجلبت المحولات، وصانت بعضها، ووفرت الزيت الذي يحرك تلك المحولات، وقد دفعت في ذلك الكثير من المال من مواردها الخاصة رغم شح المورد، وكان التعليم وكيف أن حكومة الولاية أولت هذا الجانب من الإهتمام لتعويض الطلاب هذا الفاقد من السنين وبدأت بالمتاح وجعلت توفر المعينات الدراسية من كتاب وإجلاس ومعلم وتحسين البيئة المدرسية مما تأتى لها في خلال هذا العام بعد التحرير أن تعوض الطلاب كل ما فاتهم من تعليم، وهكذا في ظل تلك المحفزات جعلت قوافل العودة تنتظم بل كانت تتشكل أجمل المشاهد وحكومة الولاية تستقبل هؤلاء العائدين في مواكب فرح مما كان له من أثر معنوي وسط العائدين – حفز الآخرين للعودة – وهم يرددون في الأهزوجة (الليلة عرسك يا الجزيرة).
فالذي يزور ولاية الجزيرة اليوم ولم يمضي على تحريرها عام، لا يحسب أن هذه الولاية قد تعرضت إلى حرب ودمار، وأن أهلها عن بكرة أبيهم كانوا قد نزحوا عنها، فقد إنتظمت الحياة في كافة أصقاع الولاية وإنتعشت الأسواق، ودبت الحركة، وإمتلأت الطرقات، بل عادت إليها أنشطتها الثقافية والإجتماعية والرياضية وها نحن نراها تستقبل المجموعات المتنافسة في الدوري الممتاز والتمهيدي وغيره.
أن هذه العودة للمواطنين لولاية الجزيرة لم يأتي خبط عشواء وإنما بتخطيط وتوفيق وعمل تلاحم فيه البعد الرسمي والشعبي بل والإعلامي الذي أسهم بقدر وافر في هذه العودة عبر عرضه المحفزات وتطمين الدواخل، وتحريك تلك الأمواج لترسو على بر الأمان، فكان التوفيق أولا من الله تعالي ثم جهد الرجال، فالعودة تحتاج لمحفزات، وأحسب أن تجربة الجزيرة مدعاة للوقوف عليها، والتزود منها وإقتفاء أثرها والإستفادة من حيثياتها. وأحسب أن الخرطوم تحث الخطى على هذا الدرب لتهيئة كامل الظروف لعودة المواطنين.