عامر باشاب يكتب: بسبب إهمال (قائد) .. أبرياء كتبت عليهم الذلة والبهدلة فهل نعتبر؟

قصر الكلام

عامر باشاب

بسبب إهمال (قائد) .. أبرياء كتبت عليهم الذلة والبهدلة فهل نعتبر؟

 

صدور الحكم العسكري خلال اليومين الماضيين في مواجهة اللواء ركن أحمد الطيب، القائد الأسبق للفرقة الأولى بولاية الجزيرة، الذي في عهده سقطت عاصمة الولاية (مدني) سقوطًا صادمًا. وأخيرًا جاء الحكم مبرئًا له من تهمة الخيانة العظمى، وتمت إدانته فقط بالإهمال ومعاقبته بالسجن خمسة أعوام. وهذا الحكم، في تقديري، جاء ليؤكد جدية المؤسسة العسكرية ومهنيتها والتزامها التام بمحاسبة كل من يُخالف أو يخرج عن قانون قوات الشعب المسلحة، بالإضافة إلى حرصها الشديد على إنزال أقصى العقوبات على كل من يتهاون من منسوبيها في المهام التي أُوكلت إليه.
وإن كان البعض يرى أن الإدانة بـ(الإهمال) عقوبة جاءت مخففة، وهناك من اعتبرها عقوبة صورية، فإنني أرى أن إدانة أي شخص بجريرة (الإهمال) في قيادته أو إدارته لعمله، أياً كانت مسؤولية هذا العمل، وإثبات إهماله فيه، تعتبر عقوبة قاسية جدًا، حتى ولو نزلت على جندي أو موظف عادي. فما بالكم إن نزلت على قائد، بل وقائد عظيم، يتحمل مسؤولية كبيرة ويحمل رتبة رفيعة، وكان يقع على عاتقه حماية ولاية بحجم ولاية الجزيرة، وتأثر بسقوطها في يد التمرد كل سكانها وجميع مقارها الحكومية ومنشآتها الخدمية ومؤسساتها الاقتصادية العامة والخاصة.
وبالعودة إلى حادثة سقوط مدينة (ود مدني) عبر كبرى الخيانة أو الإهمال، تطل على شاشة الذاكرة مشاهد مؤلمة تناثرت على طرقات الكوارث والمحن التي أفرزتها وحشية حرب السودان. ومن بين هذه المشاهد المؤلمة، منظر مواطنين على مخارج مدينة (ود مدني) ومدينة (رفاعة) و(الحصاحيصا) و(الكاملين) وحتى (المناقل) الصامدة وغيرها من مدن ولاية الجزيرة المنكوبة، وهم في حالة فرار مفزوعين تملأ عيونهم الرهبة وبلغت قلوبهم الحناجر، قاصدين القرى النائية البعيدة بحثًا عن الأمان، تاركين منازلهم ومصانعهم ومتاجرهم ومزارعهم وعمالهم ومواشيهم للمجهول.
أما مواطنو العاصمة الخرطوم الذين فرض عليهم النزوح مرة ومرتين وثلاث مرات، غادروا (مدني المغدورة). وعندما تسأل أي أحد منهم: “إلى أين أنتم ذاهبون؟”، يأتيك ردهم المحزون من جوف العذاب: “والله بس طالعين بدون دليل ولا نعلم المصير، وماذا يصير؟! على باب الله متوكلين.” لا ندري الوجهة إلى أين، المفر والمقر. منهم من يحمل أطفالهم و(بقجهم) فوق الأكتاف والرؤوس المثقلة بأكوام الهموم، وكثير منهم خاوون الوفاض (على البلاطة). ويبدو واضحًا أنهم وصلوا إلى مرحلة قاسية من الغبن واليأس والحيرة والإحباط، فقدوا على إثرها بوصلة الاستقرار النفسي والتركيز الذهني، بعد أن صاروا على موعد متجدد مع النكبات والهجمات، وكتبت عليهم الزلة والبهدلة والتلتلة، وفرض عليهم الهروب من جحيم إلى حميم، ومن نار جهنم إلى نار السموم.
غالبيتهم لم يحزنهم فقدانهم لأرواح الأمهات والآباء والأبناء والديار والمال بقدر ما أوجعهم فقدانهم للثقة في ولاة أمرهم، أو بالأصح من تولوا مسؤولية أمنهم. بالله عليكم، هل هناك مصيبة أفظع من هذه؟! وهل هنالك انتهاك للحق في الحياة الكريمة أقسى من ذاك النزوح المتكرر؟! فأين أنتم يا دعاة حماية حقوق الإنسان لما يحدث لشعب السودان؟!!
آخر الكلام، بس والسلام:
يا ليت السودانيين بالداخل والخارج، منكوبين ومرتاحين، يعتبروا من الأزمات والمحن التي عايشناها بسبب أحداث هذه الحرب اللعينة التي فرضت علينا، فازهقت أرواح الملايين، وهجرت الملايين، ودمرت العاصمة الخرطوم، وشوهت مدني قلب ولاية الجزيرة وغيرها من المدن في ولايات سنار والنيل الأبيض وكردفان ودارفور الكبرى، التي سقطت في فخ المؤامرات والخيانة.
وعلينا جميعًا بعد هذه التجربة القاهرة، أن نستشعر الخطر بالحيطة والحذر، ونفعل الحس الأمني، ونرفع استعداد الأمن الشعبي إلى أعلى الدرجات، ونخفض من درجة الطيبة مع الأجانب، وننتبه للمتعاونين والمندسين، وتجار وسماسرة بيع الدم والأوطان الذين انتشروا بكثافة في هذا الزمان بكل مكان.