
السودان ومصر .. تنسيق محكم لمواجهة التحديات
السودان ومصر .. تنسيق محكم لمواجهة التحديات
تقرير: مجدي العجب
في توقيتٍ دقيقٍ تمرّ فيه الدولة السودانية بمعركة وجود حقيقية، لم تعد فيها الأسئلة تدور حول الاختلاف السياسي بقدر ما تتركز حول بقاء الدولة نفسها، ووحدة ترابها، وهيبة مؤسساتها، يبرز لقاء السيد رئيس مجلس السيادة الانتقالي، القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول الركن عبد الفتاح البرهان، برئيس جهاز المخابرات العامة المصرية الوزير اللواء حسن محمود رشاد، كرسالة سيادية قوية تؤكد أن السودان، وهو يخوض حربه الوطنية ضد التمرد والفوضى، يتحرك بثبات على جبهة الدفاع عن أمنه القومي، ويُحكم تنسيقه مع عمقه الاستراتيجي في الإقليم.
اللقاء، الذي انعقد بحضور مدير جهاز المخابرات العامة الفريق أول أحمد إبراهيم مفضل، لا يمكن قراءته خارج سياق المواجهة المفتوحة التي تخوضها القوات المسلحة السودانية دفاعًا عن الدولة في وجه مليشيات متمردة سعت، ولا تزال، إلى تفكيك مؤسسات الحكم، وجر البلاد إلى مربع الانهيار الشامل. ومن هذه الزاوية، فإن نقل تحيات فخامة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وتأكيد دعمه للشعب السوداني، يمثل موقفًا سياسيًا وأمنيًا صريحًا ينحاز لخيار الدولة والجيش، ويرفض منطق المليشيا والسلاح المنفلت. ويعكس هذا اللقاء إدراكًا مشتركًا في الخرطوم والقاهرة بأن المعركة في السودان ليست شأنًا داخليًا معزولًا، بل تمسّ بشكل مباشر أمن البحر الأحمر، واستقرار الإقليم، وسلامة الممرات البحرية الدولية، في ظل تنامي تهديدات الإرهاب والجريمة المنظمة، ومحاولات توظيف الفوضى لخلق بؤر عدم استقرار عابرة للحدود. وهو ما يفسر التركيز الواضح على تنسيق الجهود الاستخباراتية والأمنية، وتعزيز التعاون العسكري، كخط دفاع أول في مواجهة هذه التحديات.
كما يحمل اللقاء رسالة ردع واضحة لكل من يراهن على إضعاف الجيش السوداني أو عزل قيادته، إذ يؤكد أن القوات المسلحة، وهي تخوض معركتها الميدانية والسياسية، تحظى بعمق إقليمي داعم، وبشراكات قائمة على المصالح الأمنية المشتركة، لا على المساومات أو الأجندات الخفية. فالسودان اليوم، وفق هذا المنظور، لا يقاتل دفاعًا عن حدوده فحسب، بل عن توازن إقليمي بأكمله.
وفي البعد الإنساني، لم يكن النقاش منفصلًا عن السياق العسكري، إذ جرى التأكيد على ضرورة ضبط وترتيب عمليات الإغاثة بما يضمن وصول المساعدات إلى مستحقيها الحقيقيين، ويمنع تسربها إلى المليشيات المسلحة أو استخدامها كغطاء لتمويل الحرب ضد الدولة، في معركة لا تقل أهمية عن المواجهة العسكرية المباشرة.
بهذا المعنى، فإن لقاء البرهان برئيس جهاز المخابرات العامة المصرية يتجاوز كونه حدثًا دبلوماسيًا، ليشكّل حلقة متقدمة في معركة السودان من أجل السيادة، ويؤكد أن الجيش، وهو يتقدم في ميادين القتال، يوازي ذلك بحراك سياسي وأمني محسوب، يرسّخ موقع الدولة، ويُسقط رهانات الفوضى، ويمهّد الطريق لحسم المعركة واستعادة الاستقرار بقوة الدولة لا بموائد التفاوض مع السلاح المنفلت.
السودان ومصر
والتقى السيد رئيس مجلس السيادة الانتقالي القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول الركن عبدالـفـتاح البرهان، امس رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية الوزير اللواء حسن محمود رشاد، بحضور مدير جهاز المخابرات العامة الفريق أول أحمد إبراهيم مفضل. حيث نقل له تحيات فخامة الرئيس المصري “عبدالفـتاح السيسي”، وتمنياته للشعب السوداني بدوام السلام والأمن والاستقرار. وتطرق اللقاء للعلاقات المتميزة بين البلدين الشقيقين وسبل دعمها وتطويرها، فضلاً عن الجهود المبذولة لمكافحة الإرهاب وحماية أمن البحر الأحمر والإقليم.
كما تناول اللقاء الترتيبات المتعلقة بالنواحي الإنسانية في السودان بما يتيح تيسير عمليات الإغاثة وتوصيل المساعدات لمستحقيها بأمان.
مقاربة إقليمية
ويقول الصحافي والمحلل السياسي عاصم البلال الطيب: لقاء رئيس مجلس السيادة الانتقالي، القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول الركن عبد الفتاح البرهان، برئيس جهاز المخابرات العامة المصرية، لا يمكن التعامل معه كحدثٍ بروتوكولي أو تواصلي عابر، وأضاف البلال في حديث لألوان: يجب قراءته في سياقه الحقيقي كجزء من معركة السيادة التي يخوضها السودان دفاعًا عن الدولة في مواجهة مشروع التمرد والفوضى. فالرسائل التي حملها اللقاء، في مضمونها وتوقيتها، تعكس تحوّلًا واضحًا في مقاربة الإقليم للأزمة السودانية، يقوم على دعم مؤسسات الدولة الشرعية، وعلى رأسها الجيش، ورفض أي محاولات لفرض واقع مليشياوي بقوة السلاح. وزاد في قوله لنا: موقف القاهرة، الذي نُقل عبر رئيس جهاز مخابراتها، يتجاوز عبارات التضامن التقليدية، ليؤكد إدراكًا استراتيجيًا بأن سقوط الدولة السودانية أو إضعاف جيشها لن يكون حدثًا محليًا محدود الأثر، بل تهديدًا مباشرًا لأمن البحر الأحمر، ولتوازنات الإقليم بأسره. من هنا، فإن الانحياز الواضح لخيار الدولة والجيش ليس مجاملة سياسية، بل ضرورة أمنية تفرضها طبيعة المخاطر الراهنة.
وذهب البلال في حديثه: اللقاء يبعث كذلك برسالة حاسمة إلى القوى التي راهنت على تدويل الأزمة خارج إطار الدولة، أو على شرعنة المليشيات عبر المنابر الإنسانية والدبلوماسية، مفادها أن الرهان على عزل القيادة العسكرية أو تجاوزها بات رهانًا خاسرًا. فالقوات المسلحة السودانية، رغم الحرب والاستنزاف، ما زالت تمسك بزمام المبادرة، سياسيًا وميدانيًا، وتُدير معركتها باعتبارها حرب دولة لا صراع جماعات. وأضاف: أما في ما يتعلق بالشق الإنساني، فإن تأكيد الجانبين على تنظيم وتيسير عمليات الإغاثة ينسف السردية التي حاولت المليشيات الترويج لها، ويعيد الملف الإنساني إلى مكانه الطبيعي: تحت إشراف الدولة، وبعيدًا عن الابتزاز السياسي والاستغلال العسكري. وهي نقطة بالغة الأهمية في معركة الوعي، لا تقل خطورة عن المعركة في الميدان. وختم البلال حديثه، إن هذا اللقاء يؤكد أن السودان يتقدم بخطى ثابتة نحو إعادة تثبيت موقعه الإقليمي، وأن الجيش، وهو يقاتل في الميدان، يحظى بسند سياسي وأمني إقليمي معتبر. وهي معادلة تعني ببساطة أن معركة الدولة لم تعد معزولة، وأن مشروع التمرد، مهما طال أمده، محكوم عليه بالعزلة والانكشاف والسقوط.
أمن البحر الأحمر
فيما ذهب الصحافي والمحلل السياسي قرشي عوض في حديثه لألوان قائلا: لقاء البرهان برئيس جهاز المخابرات العامة المصرية يؤكد أن معركة السودان لم تعد شأناً داخلياً، بل قضية أمن إقليمي بامتياز. واضاف: الدولة السودانية وجيشها ليسا معزولين، وأن خيار المليشيا مرفوض إقليمياً. دعم القاهرة لمؤسسات الدولة يعكس إدراكاً بأن انهيار السودان يهدد أمن البحر الأحمر والإقليم بأكمله. كما ينسف اللقاء محاولات توظيف الملف الإنساني ضد الجيش، ويعيد التأكيد على أن الحل يبدأ من تثبيت الدولة، لا مساواة الجيش بالمتمردين.
رسالة سياسية
لذا فان سوف يبعث هذا اللقاء برسالة سيادية لا لبس فيها مفادها أن السودان، وهو يخوض معركة الدولة ضد التمرد، يتحرك بوعي استراتيجي وعمق إقليمي داعم، وأن القوات المسلحة ليست وحدها في معركة حماية السيادة ووحدة التراب. ومع اتساع رقعة التنسيق الأمني والسياسي، تتراجع رهانات الفوضى، ويتقدم خيار الدولة، بوصفه الطريق الوحيد لاستعادة الاستقرار وفرض السلام بقوة المؤسسات لا بمنطق المليشيات.