إسحق أحمد فضل الله يكتب: (عن المستقبل)

مع إسحاق

إسحق أحمد فضل الله

(عن المستقبل)

وعن الأمل، والزمن، يحكون من زمان حكاية البحر والزجاجة.
وفي الحكاية:

(صيّاد سمك يرى زجاجةً يحملها الموج… فيلتقطها.
وفي الزجاجة التي يغطيها الطمي والأعشاب، يلمح ورقة…
والورقة رسالة.
وفي الرسالة سطر واحد:
«تعال… وتزوّجني».
ثم الاسم، وعنوان صاحبة الرسالة).

وتحت الليل، وعلى فراشه، تظل الرسالة تنبح في نفس الرجل…
وفي اليوم الثالث كان الرجل يطرق باب البيت المذكور في الرسالة…
وامرأة في عمرٍ متوسط تفتح الباب.
ولم يكن في البيت صوتٌ لشخصٍ آخر.

ومن مقعدٍ منسوجٍ بالحبل، يسعل الرجل، مثلما يفعل من يريد أن يقول شيئًا، ثم يقول بخفوت:
– أنا صيّاد… من قرية «ميم»… بعيدة، نعم، لكنني… لكنني…
ويتعثّر الرجل، ثم يمد يده بالرسالة الصفراء المغضّنة التي وجدها في الزجاجة.
وفي حيرة من لم يفهم شيئًا، تمدّ المرأة يدًا أصابعها معروقة، وتتناول الرسالة، وتقرأها…
ورأسها يبقى متدلّيًا…
ونقطة مائية تسقط على الورقة.
كانت تبكي.
والرجل الذي لا يفهم يقول في ارتباك:
– معذرة… أنا أبحث عن «مولى» صاحبة الرسالة، وأراك تبكين… هل ماتت؟
والمرأة ترفع رأسها ببطء، والدموع على غضون وجهها، وتقول بخفوت:
– أيها السيد… شكرًا… لكنك جئت متأخرًا… متأخرًا عشرين سنة…
أنا «مولى» صاحبة الرسالة…
……
الحكاية الموجعة تقول إن الزمن هو ما يقرّر إن كان الأمل قد تحقّق أم لا…
رغم حدوثه.
والسودان، لعلّ الله يجعل لزجاجته صيّادًا، يطرق الباب، قبل أن يغطّي زجاجته طميُ الزمن…
………
وحكاية:
مريض يرقد في عنبرٍ قديم.
ويومًا يرى وجهًا مرسومًا على الطلاء القديم على الحائط…
وجهًا رسمته خطوط المطر التي تسيل من السقف.
ويخرج المريض يومًا من المستشفى، وفي الطريق يقف مذهولًا، ينظر إلى رجل يعبر الطريق.
كان الرجل صورةً من اللحم والدم للوجه الذي رسمه المطر على حائط عنبر المستشفى.
وكان شيءٌ ما يُكمل الحكاية…
ففي اللحظة التالية كانت عربةٌ تقتل الرجل…
وينطلق المريض عائدًا إلى العنبر، وينظر إلى الوجه المرسوم على الحائط…
كان الطلاء، ودون سبب، ينهار…
الحكاية تقول إن كل شيء هو شيءٌ مرسوم أمام عيوننا…
لا نراه إلا عند ذهابه.
كلّ أحدٍ يبحث عن تفسيرٍ لعالم الغيب والشهادة،
وعن الصلة بينهما…
……
والإمام الددو، وكأنه يقدّم نموذجًا للشرح، يقول:
الحجر الأسود حجرٌ نزل من السماء لإبراهيم، لما كان يبني الكعبة،
وكان الحجر يرفع إبراهيم كلما ارتفع البناء،
وحين يتوقّف، يفهم إبراهيم أن الارتفاع قد انتهى… هنا.
عالم الغيب شديد الصلة بعالم الشهادة،
لكننا لا نراه.