
فنجان شاي
ولألوان كلمة
حسين خوجلي
فنجان شاي
1
من الطبائع الإنسانية والتي تصلح باباً في علم النفس أن أهل الفصاحة والمعلومات والمعرفة بأحوال الناس يقولون في ساعات الرضا ما يُرضي ويكتمون القبيح فإذا إضطروا لغير ذلك أشاعوا القبيح وأخفوا المليح ورغم هذا التناقض الظاهري فإن فيه حكمة فليس هنالك من إنسان خالي من المسالب حتى وإن كان صاحب محاسن وقيم ومزايا، وذكرهذه أو تلك ليس فيه نفاق ولكنها تقديرات النفس البشرية في التقييم والقياس.
ومما نستطيع أن نعتمد عليه في هذه الحجة حكاية وفد تميم الذي قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان فيهم كبيرهم الزبرقان وشاعرهم عمرو بن الأهتم تقول الحكاية وهي هدية منا لعلماء علم النفس وأساتذته ليس للإستمتاع فقط ولكن للإستفاضة والتشريح والزيادة والإضافة.
جلس إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – الزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم وقيس بن عاصم ، ففخر الزبرقان فقال : يا رسول الله ، أنا سيد بني تميم والمطاع فيهم والمجاب ، أمنعهم من الظلم وآخذ منهم بحقوقهم ، وهذا يعلم ذلك (وأشار إلى عمرو بن الأهتم خطيبهم وشاعرهم) ، فقال عمرو : إنه لشديد العارضة مانع لجانبه مطاع في أدنيه . فقال الزبرقان والله يا رسول الله لقد علم مني غير ما قال ، وما منعه أن يتكلم إلا الحسد ، فقال عمرو : أنا أحسدك ؟ والله يا رسول الله إنه لئيم الخال ، حديث المال ، أحمق الوالد ، مضيع في العشيرة . والله يا رسول الله لقد صدقت في الأولى وما كذبت في الآخرة ، ولكني رجل إذا رضيت قلت أحسن ما علمت ، وإذا غضبت قلت أقبح ما وجدت . فقال النبي – صلى الله عليه وسلم – : إن من البيان لسحرا.
2
وطال عمر الجاحظ النديم الأول للكتاب حتى جحظت عيناه وبهذه العاهة في مداومة القراءة سمي بها (الجاحظ) والمسكين طال عمره كما أسلفنا لأنه إفتقد في هذه الفانية الطعام الشهي والفراش العاطر الوثير فكان يقول عليه الرحمة ساخراً ومحزراً أصحاب الملذات:( إن من أسباب تقصير العمر الطباخ الماهرة والزوجة الحسناء).
وكان أساتذة من أهل النقد والأدب ينصحوننا من أراد تجويد فن الكتابة بأن يجعلها مهنة فعليه بمقامات الحريري وكتب الجاحظ. ووما عرف عنه أنه كان ساخراً حتى إنه إن لم يجد ما يسخر منه سخر من نفسه قال: كنت يوماً أتجول في سوق بغداد فنادتني إمرأة ظاهرة البهاء والجمال فسرت وراءها مسحوراً بها فأدخلتني محل صائغ وأشارت لي وقالت للصائغ مثل هذا وانصرفت، فأصبح الرجل ينظر إلى ويخطط ورقاً أمامه وأنا لا أدري ماذا فَعَلَت وماذا يفعل هذا الرجل! فقلت له :ما الحكاية؟ فقال ضاحكاً: هذه المرأة طلب مني أن أصنع لها قلادة مغلفة بصورة شيطان فقلت لها: إني لا أعرف صورة صورته فأتت بك. يقول الجاحظ : إنه أغرب ما مر بي يا أمير المؤمنين.
3
في قاعة المؤتمرات الفسيحة تكدست السيارات الفخمة خارج الفناء وأقبلت النخب وطلائع المثقفين والأكادميين بأزياء الفرنجة (الماركات) كان المؤتمرعن القضية وقد حمل كل واحد من المشاركين ورقته ذات الخمسين صفحة التي أعدها للحافز والعطاء لا من أجل الوطن والفقراء .
صحفي أشعت أغبر أتى بقميص ناصل اللون وبحذاء أرهقته المشاوير وتراب الحواري إستئذن واعتزرعن ورقته القصيرة جداً جداً جداً كانت مكتوبة على وجه صندوق قديم للسجائر أخرجها وقرأ النص:
قالت القضية الوطنية :
أنا كخط النهايةِ في سباقِ الركض..
الفائزون والخاسرون
في لحظة من اللحظات
يدسونني بالأقدام.
ودون كل الآخرين دوت القاعة بالتصفقيق وخرج الرجل يبحث عن حافلة قديمة بسعرمخفض ليصل بها إلى حارته المجهولة.
4
وفي كل قصص الوفاء لا تحرك الناس إلا قصص الجميلات الصابرات العفيفات الائي هجرن حسنهن وشبابهن من أجل صنو الروح الذي وافقته المنية وبصم بأشواقه ووقع ذكرياته على قلب المنتظرة الباكية ومثل هؤلاء سيلتقيان في الجنة ولو بعد حين تقول الحكاية أنه توفي زوج لإعرابية شابة فخطبها آخر فحفرت بإصبعها في التراب ثم ملأت الحفرة بدموعها ، فيئس منها الخُطاب.
مر يوماً بالمقبرة فراها في أحسن زي كاملة الحلي والحلل فظنها تريد العرض للرجال ، واقترب منها وإذا هي عند قبر زوجها تبكي وتنشد:
يا صاحبَ القبرِ يا مَن كانَ يَنعم بي
عَيشاً ويكثرُ في الدنيا مواساتي
قَد زرتُ قبركَ في حليٍ وفي حللٍ
كأنّني لستُ مِن أهلِ المصيباتِ
لمّا علمتُكَ تَهوى أن ترانيَ في
حليٍ وَتهواه مِن ترجيعِ أصواتي
أَردتُ آتيكَ فيما كنت أعرفهُ
أَن قد تسرّ بهِ مِن بِعض هيئاتي
فَمَن رآني رَأى عبرى مولّهةً
عَجيبةَ الزيّ تَبكي بين أمواتِ
5
كان الكتاب دائماً والمؤلفون وأصحاب الأفكار يقولون ليس بالضرورة أن يكون فلان الكاتب هو القرين والمطابق لفلان في البيت والحياة ،كلمات يتداولونها حتى لا يصاب الناس بالإحباط حين يكتشفون المفارقة.
ومن لطائف الأقوال في هذا الباب عبارة الكاتبة الروسية تاتيانا أليكسيفنا فقد علقت يوماً عن المفارقة بين سلوك الأفكار وسلوك السياق التي تحمل أصحابها وهم يجابهون وعثاء الطريق( عندما أقرأ منشورات زوجي على مواقع التواصل الإجتماعي وروعتها ومثاليتها أتمنى بشدة أن أصبح زوجته) .
6
من المواقف الإنسانية حزناً تتبدى في إنحسار (العشم) في ساعة الحاجة لصديق أوأخ أو تلميذ ترجوه دَيْناً أو نفقة تسدد بعد حين وأنت تُجابه المرض والغربة والحيلة المستحيلة ضد قيد الدنيا وإنكسار الأمل فتفاجأ بذلك الإعتذار اللئيم أوالرحيم لا فرق حين بقى الحالة جاثمة على الصدر والصراط ومن العبارات المواسية في مثل هذه المواقف عبارة الممثل الإسترالي الشهير هيث ليدجر:
(في النهاية ستدرك انك لم تكن تطلب الكثير لكنك كنت تسأل الشخص الخطأ).
7
الأسواق والتجار ورجال الأعمال كانت لهم تقاليد وفضائل، كانوا مفاتيحاً للخير والتبرعات وكانت الأسواق يومها مساحة حرة للشرف الوطني لا تقبل خائناً ولا مزيفاً ولا مُرابي حتى أظلنا زمان أصبح فيه التاجر الشاطرهو الذي يكتسب رزقه بالخيانة والرشوة والربا وإفساد المؤسسات والمسؤولين فانكسرالعماد وانتشرالفساد وجاءت طامة الشتات فصارت البلاد شتاتاً ،وقد تساوينا في الفقر، وكان يمكن لو صدقت الأنفس لتساوينا في الغنى والرضا.
وما زالت أبيات الحكيم الشعبي تجلد ظهورهؤلاء ليل نهار في هجاء هذا الصنف من تجار آخر الزمن وهذه دعوة للحفظ أولاً وللإقتداء ثانياً والهروب من هذه المسالب يقول عكير :
تجارة اخر الزمن فانيه وعميره قِصّير
والمال مابعز ود القبيل مُو خَيّر
الشبع التالِي جوع سيدو ديمه صغير
والريش البقوم بعد الكسر مابطيّر
تجارة اخر الزمن زايله ومتاعا قِليّل
أُخدو ايامكم أصلها طَيره في إِيد عَيّل
مادام شبعو ناس ود الريالتو تسيل
الأفضل علي الخلا وأم شديده نميل
مابتقدم اللي عله ديمه عطاه
والبهتك عرض مكشوف تَملِي غطاه
البِزرعلو شوك لابد يتوطاه
والبِطبخلو سم لابد يتعاطاه