
الأستاذ أحمد يوسف أحمد هاشم .. أبو الصحف
الأستاذ أحمد يوسف أحمد هاشم .. أبو الصحف
بقلم: صلاح الدين عبد الحفيظ
ظلت الصحافة السودانية منذ بواكير نشأتها مكانًا للنابغين من الكتاب والموهوبين، وهو ما جعل هؤلاء إعلامًا رغم قلة تعليمهم بعصاميتهم.
أحد هؤلاء المرحوم أحمد يوسف هاشم، أول وطني أنشأ جريدة يومية، ورئيس حزب القوميين، وصاحب جريدة السودان الجديد، ورئيس تحرير جريدة النيل (سابقًا)، وعضو الجمعية التشريعية.
ترجم له الأستاذ عمر باشري في كتابه رواد الفكر السوداني كمؤسس للصحافة السودانية. قرأ في المعهد العلمي، وعمل بالمحاكم الشرعية، وجريدة النيل، ثم تولى رئاسة تحرير مجلة الفجر بعد وفاة عرفات، وفي عام (1944م) أصدر جريدة السودان الجديد اليومية، واشترك معه في التحرير محمد أحمد محجوب، والدكتور عبد الحليم محمد، وعبد الحفيظ هاشم. أُطلق عليه (أبو الصحف في السودان) لأنه أول صحفي انفرد بإصدار صحيفة يومية.
وذكره بشير محمد سعيد في كتابه السودان من الحكم الثنائي إلى انتفاضة رجب، وكان لجريدة النيل السودانية مكتب صحفي في القاهرة يشرف عليه الأستاذ أحمد يوسف هاشم، الذي أصبح رئيسًا لتحرير الصحيفة في الخرطوم فيما بعد.
ذكر الأستاذ أحمد يوسف هاشم في كلمة السودان الجديد (1/1/1944م):
بسم الله الرحمن الرحيم:
“السودان الجديد مجلة أسبوعية دفعني إلى إصدارها إحساس عميق بحاجة البلاد الماسة إلى صحيفة أسبوعية تسد فراغًا شاغرًا منذ احتُجبت مجلة الفجر، وتعالج مشاكل البلاد بوسائل أخرى لم تعرف البلاد من قبل. فهذه المجلة كما أردتها ليست بالخالصة كلها للأدب، وليست بالمنقطعة وحدها للسياسة، وما هي بالمخصصة للفن أو الفكاهة، ولا بالتي تكرس صحائفها للمسائل الاجتماعية البحتة، ولا الإخبارية الصرفة، وإنما هي تأخذ من كل هذه الأشياء بنصيب، وهي بذلك تصور حالة البلد الناشئ في طور الانتقال، لا تخصيص فيه. تقع على الفرد من أبنائه مسؤوليات متعددة فيأخذ قسطه من العمل السياسي ونصيبه من الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي، وواجبه في تنوير الرأي العام وتثقيفه وتوجيهه. كل ذلك إلى جانب عمله الذي يعيش منه، فلا غرابة إذا عالجت مجلة السودان الجديد جميع هذه النواحي. تتحدث باسم الجميع، متعاونة مع الهيئات والأفراد.”
ولد الأستاذ أحمد يوسف أحمد هاشم في قرية بري المحس في شرق الخرطوم أواخر عام (1906م)، ووالده هو الشيخ يوسف أحمد هاشم، شقيق الشيخ أبو القاسم أحمد هاشم. والدته هي السيدة صلحة أحمد موسى من جزيرة توتي بالخرطوم. التحق بكتاب الخرطوم الذي كان آنذاك المدرسة الأولية الوحيدة عام (1911م)، فأكمل تعليمه الأول (1915م). زهد بعد ذلك في التعليم وأبدى رغبة في حفظ القرآن الكريم، فأرسله والده الشيخ يوسف أحمد هاشم إلى (أم ضواً بان)، فأولاه الخليفة (حسب الرسول الشيخ ود بدر) العناية الخاصة لمكانة والده وأهله، فحفظ القرآن في سنتين فقط. ثم عاد ودرس على يد عمه (الشيخ أبو القاسم) القرآن وعلومه حتى التحق بعد ذلك بمعهد أم درمان العلمي عام (1917م)، فنال الشهادة الأهلية قبل ميعادها المحدد بسنة كاملة.
من زملائه في الدراسة الشيخ محمد المبارك عبد الله، وكان المزاحم له في الأولية. تخرج من المعهد العلمي عام (1920م)، ثم هاجر إلى مصر، وكان ذلك إبان الثورة المصرية، وبصحبته الشيخ محمد المبارك عبد الله (شيخ المعهد العلمي فيما بعد)، والتحق بالأزهر الشريف، وتعرف هناك بأقطاب الحزب الوطني وهم (حافظ رمضان وعبد العزيز جاويش). عاد من مصر عام (1922م) في عطلته الدراسية العادية، ثم اشتهر بحديثه وخطبه. واصل دراسته بالأزهر حتى عام (1924م)، وبعد نشوب الاضطرابات في مصر وطرد الجيش المصري من السودان بعد مقتل (السير لي إستاك) حاكم عام السودان في إحدى شوارع القاهرة، تم إبعاد السودانيين من مصر، وكان أحمد يوسف من ضمنهم. غادر مصر عام (1925م) وعاد إلى السودان، وكانت فترة ركود سياسي، ثم وقف الإنجليز في سبيل العائدين من مصر، وسدوا أمامهم سبل العيش في بلادهم.
التحق عام (1926م) بالمحاكم الشرعية، وعمل كاتبًا بها حتى عاد إلى مصر مجددًا بعد ذلك، واحتَرف الصحافة، وعمل تحت إشراف كثير من الكتاب المصريين (كالتابعي وأبو الفتح)، وكانت الجريدة الوحيدة التي تصدر آنذاك في السودان هي (حضارة السودان). وفي عام (1935م) تأسست في السودان شركة للطباعة والنشر، وكان من أكبر المساهمين فيها (دائرة المهدي) و(كونت ميخالوس)، وأصدروا جريدة (النيل) وعهدوا برئاسة تحريرها للصحفي المصري (حسن صبحي)، وكانت صحيفة سودانية يومية.
وفي عام (1936م) عاد أحمد يوسف من مصر، والتحق بجريدة النيل كمحرر ثم رئيسًا للتحرير، فاهتم بالآداب والفنون والرياضة والسينما، وكان بجانب النيل اليومية آنذاك جريدة السودان والحضارة، وكلتاهما مرتين أسبوعيًا. في عام (1939م) هاجر إلى مصر مرة أخرى، وعمل فترة في إحدى الوزارات، ثم عاد إلى السودان وواصل عمله في رئاسة تحرير النيل.
أصدر السودان الجديد عام (1943م) وكانت أسبوعية، ثم سافر إلى مصر ليعود بصحبة حروف زونوغراف، ورسّام هو الأستاذ (محمد عثمان جودة)، فتجددت المجلة، بينما كان لا يزال محتفظًا برئاسة تحرير النيل. أصدر جريدة السودان اليومية عام (1944م)، وترك النيل، وانضم إليه (محمد أحمد محجوب وعبد الحليم محمد وعبد الحفيظ هاشم).
يعتبر الأستاذ أحمد يوسف هاشم داهية الصحافة السودانية، ولُقب بـ(أبو الصحف). زاملها وهو طفل رضيع، ثم وهي تشب عن الطوق، ثم وهي تستوي على سوقها، ومن أسرة تحرير الفجر وسكرتير تحريرها وأحد كتابها وأقطابها، ترأس تحرير جريدة النيل اليومية بعد الأستاذ (الحاج الأمين عبد القادر)، فكان ثاني رئيس تحرير سوداني لها، رغم أن بعض المصادر التاريخية تفيد بأنه استلم رئاسة تحريرها بعد الصحفي المصري حسن صبحي.
ويضيف الأستاذ يحيى عبد القادر أن أحمد يوسف عمل سكرتيرًا لحزب القوميين، وكان أحد ثلاثة استقالوا من الجمعية التشريعية في جو بطولي، فأُطلق عليهم اسم الفرسان الثلاثة، وهم (أحمد يوسف ومحجوب وصالح عبد القادر). ورغم أن السودان الجديد اليومية كانت مستقلة، فقد ظلت ذات صلة وثيقة بـ(آل المهدي)، لأن أحمد يوسف هو من (آل هاشم)، وهؤلاء ذوو ولاء قديم لهذا البيت، وأسهمت (دائرة المهدي) في السودان الجديد.
عمل رئيسًا لنقابة الصحفيين السودانيين، وسكرتيرًا لحزب القوميين، وأول من أنشأ جريدة يومية سياسية. منذ عام (1935) ظل يبذل جهدًا مضنيًا، مما كان له عظيم الأثر على صحته، فكان كثير التردد على الأطباء.
توفّي في نهار الثلاثاء 3/1/1958، ودُفن بمقابر بري المحس.