قنصلية السودان بجدة عطنت عجوة الإستقلال في عسل المستقبل

قنصلية السودان بجدة عطنت عجوة الإستقلال في عسل المستقبل

جدة: عبد اللطيف السيدح – تصوير: ماهر العمرابي

ليست كل المناسبات سواء، فبعضها يمر مرور الكرام، وبعضها يسكن في الذاكرة بوصفه حدثاً استثنائيا ثابتا لايحول ولا يزول. وما شهدته ردهات وصالات فندق راديسون بلو السلام بمدينة جدة بمناسبة مرور سبعين عاماً على استقلال السودان، لم يكن مجرد احتفال بروتوكولي، بل كان مشهداً سيادياً بامتياز، تداخلت فيه الرمزية مع الرسالة، واختلط فيه العطر بالدلالة، والفرح بالمسؤولية، والتاريخ بالحاضر، والمستقبل الذي يُصاغ على مرأى من العيون، وقد أدرك الحضور مع ولوجهم للردهات أنهم على موعد مع ليلة مختلفة؛ ليلة ستفيض هيبة، وتقطر معنى، وتُدار بعين دولة تعرف ماذا تريد، وتقول ما تريد، دون مواربة أو تردد.

القاعة والترتيب

ترنو ببصرك إلى المكان فتجده رحبا، والترتيب أنيق، والتفاصيل مدروسة، فترتاح عيناك للانسجام بين الألوان والإضاءة، الانضباط في الاستقبال، والدفء في الوجوه، كل ذلك يوحى بأن أسرة القنصلية لا تنظم احتفالاً، بل تصنع رسالة دولة. وتعطن عجوة عبق الذكريات في عسل المستقبل المشرق، وتوزيع الحضور في القاعة يمنحك لوحة فسيفسائية مثلت عمق السودان وامتداده، من دبلوماسيين، ومسؤولين، ورجال دولة، ووجهاء مجتمع، ورجال أعمال، ومهنيين، وإعلاميين، في مشهد أكد أن السودان رغم جراحه ما يزال حاضراً، محترماً، مصاناً، وله من يرفع اسمه عالياً.

الحضور النوعي

لم يكن الحضور عادياً، بل كان نوعياً يليق بعظمة وشموخ دولة عريقة، ففرع وزارة خارجية المملكة العربية السعودية مثّل الدولة المضيفة بحضور رسمي كريم، في رسالة واضحة تعكس عمق الموقف السعودي الداعم لوحدة السودان واستقراره. كما ازدانت القاعة بالقناصل العرب والأجانب المعتمدين لدى المملكة، في مشهد دبلوماسي رفيع، يدلل على أن السودان ما زال يحظى باهتمام المجتمع الدولي، وأن معركته الوجودية ليست معركة منسية.
كما زاد المشهد هيبة ووقاراً وجود عدد من الوزراء السودانيين الذين صادف وجودهم في المملكة، فكانت مشاركتهم إضافة معنوية وسياسية للاحتفالية، وتأكيداً على أن ذكرى الاستقلال ليست شأناً داخلياً، بل حدثاً إقليمياً له رمزيته.

خطاب الدولة

حين اعتلى سعادة القنصل العام لجمهورية السودان بجدة، الدكتور كمال علي عثمان طه، المنصة، خفت الهمس، وساد الصمت، لأن الجميع أدرك أن الحديث لن يكون عادياً.
وجاء الخطاب كما توقّعته القاعة حديث رجل دولة، لا حديث مناسبة، فقد كشف بكل وضوح ومسؤولية عن المؤامرة الخبيثة التي تحاك ضد وطنه، وعن المخطط الذي يستهدف تقسيمه، وتشتيت شعبه، ونهب ثرواته، عبر توكيل مليشيا آل دقلو الإرهابية المتمردة وأعوانها السياسيين الذين باعوا وطنهم بدراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين، لقد كان الخطاب صريحاً، شجاعاً، متماسكاً، لا يخشى تسمية الأشياء بأسمائها، ولا يساوم في الحقائق.

التاريخ والعهد

والخطاب الذي تلاه سعادة القنصل أمام الدبلوماسيين لم سياسياً فقط، بل كان وفاءً للتاريخ، فقد ذكرهم بنضال الآباء والأجداد الذين سلموا الأجيال التي جاءت بعدهم وطناً حراً مستقلاً. كصحن الصيني لا فيه شق ولا فيه طق، وهى عبارة سودانية صادقة، لخصت المعنى العميق للاستقلال، وأعادت للحظة وهجها الأول، حين كان الوطن حلماً، ثم صار حقيقة، ثم صار أمانة، والحضور لم يكن يسمع خطاباً، بل كان يعيش سردية وطنية كاملة، تتدفق من القلب إلى القلب، بلا حواجز ولا بروتوكول بارد.

الليلة والمعركة

كانت الليلة استثنائية لأن الوطن كان يقاتل في الميدان، والجيش السوداني، و المشتركة، والمستنفرون يتقدمون بخطى ثابتة لتطهير البلاد، فيما تتلاشى المليشيا المتمردة، وتسحق جحافل أبطال القوات المسلحة قطعان الجنجويد والمرتزقة الغزاة في صحارى دارفور القاسية، لذلك لم تكن ذكرى الاستقلال مجرد استعادة للماضي، بل تجديد للعهد بأن السودان لن يسقط، ولن يتم اختطافه وتقسيمه.
فالاحتفال بالذكرى لم يكن غناءً على الأطلال، بل شحذاً للعزائم، وتعبئة للوجدان، ورفعاً لراية الكرامة.

السعودية العظمى

وفي قلب الاحتفالية، كان الشكر حاضراً بصدق وامتنان للمملكة العربية السعودية، قيادةً وحكومةً وشعباً، على موقفها الداعم والواضح للدولة السودانية في معركتها ضد أعدائها.
لم يكن ذلك مجاملة دبلوماسية، بل اعترافاً بموقف تاريخي، جسدته السعودية منذ بداية الأزمة، حين وقفت مع وحدة السودان وسيادته، ورفضت العبث بأمنه واستقراره.

الدبلوماسية المانعة

كان الحضور الزاهي للدبلوماسيين العرب والأجانب رسالة بليغة، مفادها أن السودان ليس وحده، وأن تفتيت الدولة العربية الأفريقية الكبرى خط أحمر. وقد بدا واضحاً أن القاعة كانت تضم إرادة مشتركة حماية الدولة السودانية من السقوط، ومنع تحويلها إلى ساحة فوضى إقليمية.

فن التنظيم

نجاح الاحتفالية لم يكن صدفة، بل ثمرة عمل دؤوب، وتنظيم أنيق، وجهد جماعي يستحق التقدير، فأسرة القنصلية السودانية العامة بجدة، بقيادة ربانها الماهر الدكتور كمال علي، ونوابه، ومساعديه، وطاقمها المتفاني، قدمت نموذجاً راقياً في العمل الدبلوماسي والتنظيمي، يليق بعظمة السودان، ويعكس صورة شعبه الجبار، القادر على الإبداع حتى في أصعب الظروف.

الوطن لا ينكسر

انتهت الليلة، لكن أثرها لم ينتهِ، خرج الحضور وهم يحملون في قلوبهم يقيناً جديداً بأن وطنهم مهما اشتدت عليه المحن، فإنه لا ينكسر وأن الاستقلال ليس ذكرى للاحتفال، بل مسؤولية يحمَلها الشعب على أكتافه وبين جوانحه، وفي سويداء مضع أجساده.
كل عام والوطن والأهل في أمن، واستقرار ورغد عيش.
كل عام وراية استقلالنا عالية فوق هام السحب، لا تعرف الانتكاس، ولا تخضع للمساوَمة، ولا تعطي لواء عزتها وشموخها لأعدائها.