
كمال شداد بتذكر حين كان مدربًا للهلال
كمال شداد بتذكر حين كان مدربًا للهلال
متوكل عبد السلام يحسم القمة ويُسقط خرافة «الفكي»
لا يشبه البروفيسور كمال شداد غيره من رجالات الرياضة في السودان. فهو ليس مجرد إداري أو مدرب سابق، بل ذاكرة حية تختزن تفاصيل نادرة من تاريخ الكرة السودانية، تختلط فيها المعرفة الأكاديمية بالحس الرياضي، وتتمازج فيها الطرافة مع المواقف الحرجة. وفي كل جلسة معه، تشعر أنك تفتح دفترًا قديمًا، صفحاته مليئة بالحكايات التي لم تُكتب بعد، لكنها تستحق أن تُروى.
شداد، الذي تقلد رئاسة اتحاد كرة القدم السوداني، ورئاسة اللجنة الأولمبية، وعمل مراقبًا في الاتحادين الإفريقي والدولي، ودرّس لأجيال متعاقبة في جامعة الخرطوم، لا يزال يمنح ذاكرته متعة السرد وعمق الفكرة، حتى وهو يعيش اليوم ظروف النزوح القسري بعد حرب أبريل 2023، التي دفعته لمغادرة السودان إلى الرياض برفقة زوجته الأستاذة ابتسام حسبو، ضيفًا على ابنته آمنة الريان.
في كل زيارة لمنزله بالرياض، تخرج بحصيلة وافرة من الطرائف والمواقف الإنسانية والرياضية، بعضها مضحك، وبعضها يكشف عمق الأزمة التي ظلت تحيط بالإدارة الرياضية في السودان. وفي زيارتي الأخيرة برفقة الزميل أمجد مصطفى أمين، لمعاودته والسلام على ضيفه المستشار القانوني السابق لاتحاد الكرة الفاتح مختار، فتح شداد إحدى الصفحات الطريفة من دفتر ذاكرته، تعود إلى مطلع ثمانينيات القرن الماضي، حين كان مدربًا لنادي الهلال.
رسائل وضغوط
يحكي شداد أنه في تلك الفترة قامت إدارة الهلال بتسجيل مهاجم من القضارف يُدعى محمود، وذلك قبل مباراة مهمة أمام المريخ. وقبيل اللقاء، فوجئت بسيل من الرسائل والضغوط من بعض أعضاء الإدارة، بينهم إداري كبير، يطالبون بإشراك اللاعب في المباراة.
وعندما سألت عن السبب، جاءه الرد صادمًا: «الفكي قال لن تهزموا المريخ إلا إذا أشركتم لاعب القضارف».
ويضيف شداد أن هذه القناعة لم تأتِ من فراغ، إذ كان المريخ قد سجّل قبلها بفترة قصيرة مهاجمًا آخر من القضارف هو علي عبد العزيز، الذي نجح في هز شباك الهلال في أول ظهور له، وقيل وقتها إن «الفكي» نفسه كان وراء ذلك الإنجاز.
المدرب لا التميمة
يقول شداد بابتسامة ساخرة: «طبعًا رفضت هذا الكلام تمامًا، ولم أعره أي اهتمام، رغم أن الضغوط استمرت حتى قبل بداية المباراة بوقت قصير».
ويستدرك: «كنا قد سجلنا مهاجمًا قويًا وسريعًا اسمه متوكل عبد السلام، وكنت أراه الأنسب لتنفيذ الخطة الموضوعة، خاصة بسرعته وقدرته على اختراق الدفاع».
هدف لا يُنسى
لم يخيب متوكل ظن مدربه. فقد نجح في خلخلة دفاع المريخ وسجل هدفًا أسطوريًا ظل عالقًا في الذاكرة، حين استلم الكرة من منتصف الملعب، وانطلق بها وسط مطاردة مجموعة من لاعبي المريخ، قبل أن يودعها الشباك، لينتهي اللقاء بذلك الهدف الحاسم.
ويضحك شداد وهو يتذكر: «المفارقة أن أول المحتفلين بالفوز كانوا نفس الإداريين الذين أصروا على إشراك محمود القضارف».
خزعبلات لا تموت
يختم شداد حكايته بأسى ممزوج بالسخرية، قائلًا إن مثل هذه الخزعبلات والمعتقدات، رغم بطلانها، ظلت مسيططرة على عقول عدد كبير من الإداريين، ولم تغادر المشهد الرياضي حتى يومنا هذا.
حكاية واحدة من دفتر طويل… لكنها تختصر صراعًا قديمًا بين العلم والخرافة، وبين التخطيط والعشوائية، صراع لا يزال مستمرًا في ملاعبنا حتى الآن.