المجلس التشريعي .. جدل استحقاق الدولة ومحاصصة الاتفاقات

هل تعكس نسب التمثيل واقع السودان الجديد؟

 

المجلس التشريعي .. جدل استحقاق الدولة ومحاصصة الاتفاقات

تقرير: مجدي العجب

في خطوة تُعدّ من أبرز محطات استكمال هياكل الفترة الانتقالية، برز مقترح الكتلة الديمقراطية بشأن تشكيل مجلس تشريعي انتقالي لا يقل عدد أعضائه عن (300) عضو، باعتباره تطوراً سياسياً مهماً طال انتظاره في المشهد السوداني. فغياب المجلس التشريعي طوال السنوات الماضية ترك فراغاً رقابياً وتشريعياً انعكس على أداء السلطة التنفيذية، وجعل الحاجة ملحّة لقيام مؤسسة تمثل الإرادة الوطنية، وتضطلع بمهام سن القوانين ومراقبة الأداء العام، بما يعزز مسار التحول المدني الديمقراطي ويعيد التوازن إلى بنية الحكم الانتقالي.
ويستند المقترح إلى مرجعيتين أساسيتين هما الوثيقة الدستورية واتفاق جوبا لسلام السودان، مع توزيع نسب المشاركة بين القوى المختلفة، في محاولة لخلق صيغة شراكة واسعة تعكس التنوع السياسي والمجتمعي. ولا شك أن السعي إلى إشراك أطراف السلام والقوى السياسية والمجتمعية المختلفة يمثل توجهاً إيجابياً نحو توسيع قاعدة المشاركة ومنع احتكار القرار، خاصة في ظل تعقيدات المشهد بعد الحرب وما خلفته من نزوح وتهجير وتحولات ديموغرافية عميقة. غير أن توزيع النسب المقترحة يثير تساؤلات مشروعة حول مدى اتساقه مع المتغيرات الراهنة. فحصول أطراف السلام على 25% من مقاعد المجلس، استناداً إلى اتفاق جوبا الذي انقضت آجاله الزمنية المحددة ضمن ترتيبات الفترة الانتقالية، قد يبدو نسبة كبيرة مقارنة بحجم التمثيل السياسي الفعلي الراهن لتلك الحركات، خاصة في ظل تغير موازين القوى وظهور قوى مجتمعية وسياسية جديدة فرضتها تطورات الحرب. كما أن العدالة التمثيلية تقتضي إعادة تقييم الأوزان وفق معايير حديثة تراعي الواقع الديمغرافي والسياسي، لا الاكتفاء بمرجعيات صيغت في سياق مختلف.

 

 

وبينما يُحسب للكتلة الديمقراطية تحريك ملف المجلس التشريعي وإطلاق مشاورات واسعة لتكوينه، فإن نجاح هذه الخطوة سيظل مرهوناً بمدى قدرتها على تحقيق توازن دقيق بين الوفاء للاتفاقات السابقة، والانفتاح على مراجعتها بما ينسجم مع مستجدات المرحلة. فالمجلس المنتظر لا ينبغي أن يكون مجرد إعادة توزيع للحصص، بل منصة جامعة تعبّر عن السودانيين كافة، وتؤسس لشرعية تستمد قوتها من التوافق الوطني الحقيقي، لا من محاصصات تجاوزها الزمن.

اقتراح ولكن

وكشفت مصادر عن مقترح دفعت به الكتلة الديمقراطية لتشكيل المجلس التشريعي الانتقالي بالتعيين على أن لا يقل عدد أعضاء المجلس عن (300) عضواً، على أن تكون مرجعياته الشرعية، اتفاق جوبا لسلام السودان والوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية. واقترحت الكتلة في توزيع نسب المشاركة بان تمنح أطراف السلام 25%، الكتل السياسية 40%، القوات المسلحة 20%، المجتمع المدني 3%، الأقاليم/الولايات 3%، النازحون واللاجئون والمهاجرون والمغتربون 3%، رجالات الدين والإدارة الأهلية 3%، الحركات غير الموقعة على اتفاق جوبا 3% وأن يكون التميل أفقي المرأة 40% والشباب 15%. ويضم التحالف قوى سياسية أبرزها الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل جناح جعفر الميرغني وحركات مسلحة أهمها حركة تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي وحركة العدل والمساواة بزعامة جبريل إبراهيم، فضلا عن قوى مدنية وسياسية أخرى. وكان تحالف الكتلة الديمقراطية شكل في اجتماع التأم الخميس 5 فبراير 2026م لجان للتواصل مع القوى السياسية في اتجاه تشكيل مجلس تشريعي انتقالي. وقال مني أركو مناوي في تصريحات صحفية: “من قلب العاصمة الخرطوم عقدنا اليوم الاجتماع الأول للكتلة الديمقراطية، حيث ناقشنا بصورة مسؤولة وجادة تكوين المجلس التشريعي الانتقالي”، واعتبر مناوي تشكيل المجلس التشريعي خطوة محورية في استكمال هياكل الفترة الانتقالية وترسيخ التحول المدني الديمقراطي مؤكدا الالتزام بالتوافق الوطني والعمل المشترك بما يلبي تطلعات السودانيين. وأعلن عن تكوين لجنتين احداها برئاسة مبارك اردول لوضع تصور لتكوين المجلس التشريعي وفقا للدوائر الجغرافية مع الوضع في الاعتبار افرازات الحرب من تهجير وهجرة ونزوح، وقال مناوي إن لجنة أخرى ستتواصل مع كافة القوى السياسية والاجتماعية لتكوين مجلس يمثل فيه الجميع ومشمول لكل الدوائر الجغرافية وبتمثيل لكل فئات الشعب السوداني. وأكد متحدثون باسم الكتلة الديمقراطية في تصريحات صحفية عقب الاجتماع، دعمهم لخارطة الطريق الرامية إلى إنهاء وجود قوات الدعم السريع عسكرياً وسياسياً، وإغلاق ما وصفوه بـ”كل أبواب الإرهاب والتدخلات الخارجية” في السودان. وأوضحت الكتلة الديمقراطية أن الاجتماع ناقش مسار تكوين المجلس التشريعي الانتقالي، وسبل مد جسور التواصل مع القوى السياسية والمجتمعية، لتمكين الحكومة من الاضطلاع بمهام الرقابة والتشريع، وصولاً إلى استكمال متطلبات التحول الديمقراطي وإقامة دولة القانون.
ودعت الكتلة إلى تعبئة جميع القوى السياسية الوطنية ومنظمات المجتمع المدني للدخول في “حوار وطني شامل وشفاف وصادق”، مؤكدة أهمية بناء توافقات حول القضايا الكبرى ذات المصلحة الوطنية العليا، وشددت على ضرورة تعزيز التماسك الاجتماعي والوطني، وتقوية مناعة البلاد في مواجهة التحديات الداخلية والتهديدات الإقليمية والدولية.

 

الحوجة لمراجعة دقيقة

 

ويرى الأكاديمي والمحلل السياسي د. حسن الشايب أن مقترح تشكيل المجلس التشريعي الانتقالي يمثل خطوة متقدمة في اتجاه إعادة بناء مؤسسات الحكم واستعادة التوازن بين السلطات، مشيراً إلى أن غياب المجلس طوال الفترة الماضية أضعف العملية السياسية وفتح الباب لتغوّل السلطة التنفيذية. واكد في تصريح لالوان قائلا : أن أي مسار جاد نحو التحول الديمقراطي لا يمكن أن يكتمل دون مؤسسة تشريعية فاعلة تضطلع بالرقابة وسن القوانين ومساءلة الحكومة.
ولكن الشايب لفت إلى أن توزيع نسب المشاركة المقترح يحتاج إلى مراجعة دقيقة، خاصة فيما يتعلق بنسبة 25% الممنوحة لأطراف اتفاق جوبا. ويوضح أن الاتفاق، بوصفه إطاراً انتقالياً ارتبط بسياق زمني وسياسي محدد، لا ينبغي أن يتحول إلى مرجعية جامدة تُكرّس حصصاً ثابتة بمعزل عن التحولات العميقة التي شهدها السودان بعد الحرب. ويرى أن العدالة السياسية تقتضي ربط التمثيل بمعايير موضوعية تعكس الوزن الحقيقي للقوى على الأرض، ومدى إسهامها في الاستقرار وبناء الدولة. ويمضي الشايب في حديثه لنا قائلا: أن نجاح المجلس التشريعي لن يقاس فقط بقيامه، بل بقدرته على تمثيل أوسع طيف ممكن من السودانيين، بعيداً عن إعادة إنتاج المحاصصات التقليدية، وبما يؤسس لشرعية سياسية جديدة قوامها التوافق الوطني والاستجابة لمتطلبات المرحلة.

 

جدل سياسي واسع

 

ويذهب عدد من مراقبين والمحللين السياسيين إلى أن مقترح الكتلة الديمقراطية بشأن تشكيل المجلس التشريعي الانتقالي يعكس إدراكاً متزايداً لخطورة الفراغ التشريعي الذي لازم الفترة الانتقالية، مؤكدين على أن الإسراع بتكوين المجلس بات ضرورة سياسية وأمنية في آن واحد، لضبط إيقاع المرحلة ومنح الحكومة سنداً رقابياً وتشريعياً يحد من القرارات الفردية ويعزز الشفافية والمساءلة. وفي المقابل، يرى هؤلاء المراقبين الذين استطلعتهم “ألوان” أن توزيع نسب المشاركة، وإن حمل في ظاهره روح الشمول، إلا أنه لا يخلو من اختلالات تحتاج إلى معالجة هادئة ومسؤولة. وأشاروا إلى أن منح أطراف اتفاق جوبا نسبة 25% يطرح إشكالية مزدوجة، الأولى تتعلق بانتهاء الأجل الزمني للاتفاق، والثانية بمدى توافق هذه النسبة مع المتغيرات السياسية والعسكرية والاجتماعية التي فرضتها الحرب، والتي أعادت رسم خريطة الفاعلين وأولويات التمثيل داخل الدولة.
ويؤكد المراقبون أن المجلس التشريعي المرتقب يجب أن يكون تعبيراً عن الواقع الجديد لا أسيراً لترتيبات سابقة، داعين إلى اعتماد معايير مرنة وقابلة للمراجعة، والتوازن بين استحقاقات السلام ومتطلبات الشرعية الشعبية. وزادوا في حديثهم إلى أن أي إصرار على نسب ثابتة قد يفتح باباً لجدل سياسي واسع، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى مؤسسات توافقية قادرة على توحيد الصف الوطني، ووضع أسس متينة لدولة القانون والتحول الديمقراطي.

 

عقد سياسي جديد

 

ويبقى تشكيل المجلس التشريعي الانتقالي استحقاقاً لا يحتمل التأجيل، وخطوة مفصلية في إعادة ترتيب المشهد السياسي وبناء مؤسسات دولة متوازنة وفاعلة. غير أن قيمة هذه الخطوة لن تُقاس بعدد المقاعد أو توزيع الحصص، بل بقدرتها على تأسيس شرعية حقيقية تستند إلى توافق وطني واسع، وتعكس التحولات التي شهدتها البلاد. فالمطلوب اليوم ليس مجرد استكمال هياكل انتقالية، بل صياغة عقد سياسي جديد يراعي دروس المرحلة الماضية، ويوازن بين استحقاقات السلام ومتطلبات العدالة التمثيلية، بعيداً عن الجمود أو إعادة إنتاج المحاصصات. عندها فقط يمكن للمجلس التشريعي أن يكون منصة جامعة تُعيد الثقة في العملية السياسية، وتمهّد الطريق لتحول ديمقراطي مستدام يخدم تطلعات السودانيين كافة.