عبدالله حامد العربي.. سحر الكمان وعذوبة الألحان

عبدالله حامد العربي.. سحر الكمان وعذوبة الألحان

بقلم: أمير أحمد حمد

العازف السوداني، أيًّا كانت الآلة التي يعزف عليها، نقش اسمه من نور لإبداعه الفني وحسّه المرهف، الذي قد يفوق أحيانًا المطرب الذي يعزف من خلفه، بتجلياته وإضافاته الكبيرة للعديد من الألحان التي يأتي بها المطرب كعظم، فيكسوها العازف لحمًا وشحمًا، فتبدو أنيقةً وسيمة. وقد حوت فرقة الإذاعة السودانية عمالقةً كُثُرًا منهم، أجادوا فأبدعوا وأمتعوا الأذن السودانية ببديع الأنغام، فكان لها أثر السحر.
عبدالله حامد العربي واحدٌ من هؤلاء العمالقة الذين سجّلوا أسماءهم في سجل الإبداع الفني. من مواليد نهايات العشرينيات، نشأ في منزلٍ تحفّه نغمات الصوفية وتراتيلهم، فقد كان والده يصدح في الإذاعة بالإنشاد والمدائح النبوية، فعاش في جوٍّ مشبع بالفن وحسن الإلقاء الصوفي. هكذا كانت نشأته، وكان يذهب مع والده إلى الإذاعة القديمة، ورأى بأمّ عينيه مجموعةً من مطربي ذلك الزمان: حسن عطية، والتاج مصطفى، وأحمد المصطفى، أسماءٌ ظلت محفورةً في ذاكرته، وما كان يتوقع يومًا أن يجلس خلفهم يدوّزن ألحانهم ويجمّلها بكمانته الساحرة، التي تشهد على حسّه الفني العالي.
بدأ هاويًا لعزف العود، وساعده في ذلك النبوغ الفني والبيئة التي نشأ فيها، حيّ السجانة، ذلك الحي الذي كان يمثّل أم درمان والخرطوم آنذاك، بما يضمه من كمٍّ هائلٍ من العازفين والمطربين، أمثال عبدالحميد يوسف، وعثمان حسين، والملحن خليل أحمد، أول ملحن لأغنيات الفنان محمد وردي. وقد استفاد الأستاذ عبدالله العربي كثيرًا منه في المجال الموسيقي والتلحين، وأهّل نفسه بابتعاثه إلى فيينا لتلقي علوم الكمان على يد الخبير لوكاس ديفيد، وكان ذلك في أواخر الخمسينيات.
ثم بعد ذلك، وفي عام 1954، بدأت مسيرته مع الفنان الكبير عثمان حسين، فكان من ضمن فرقته، ووضع كثيرًا من مقدمات أغنياته، كأغنية «لا تسلني» للشاعر حسين بازرعة، كما وضع عددًا من مقدمات أغنيات الفنان وردي، أغنيتي «مرحبًا يا شوق» و«خاف من الله»، وغيرها من الأغنيات. ساعده في ذلك خياله الفني الخصب، وكان يؤدي كثيرًا من صولات معظم الأغنيات الكبيرة بإحساسٍ عالٍ، فنالت استحسان كل عشاق الفن وأغنيات الرواد.
الأستاذ عبدالله العربي لم يكن عازفًا مجيدًا لآلته فحسب، بل تعدّى ذلك، فكان واضعًا لبعض الألحان التي تزيّنت بها مكتبة الإذاعة السودانية. فتغنّى بكلماته وألحانه الفنان حسن ضرار، سكرتير نقابة الفنانين عندما كان الفنان العبقري إبراهيم الكاشف رئيسًا لها، بأغنية «العيون السُّودا غير العيون» التي يتغنّى بها صباح من عيسى، فدلّت تلك الأغنية على عبقريته اللحنية. وكذلك تغنّى من ألحانه الفنان عبد الكريم الكابلي بنشيد «هبّت الخرطوم في جنح الدجى»، من كلمات عبد المجيد حاج الأمين. كما تغنّى من ألحانه أيضًا الدكتور عثمان مصطفى بأغنية «فيها لو جيتنا زائر بالدرب وتقول سلام»، من كلمات الجيلي محمد صالح، وتغنّى كذلك بأغنية «أخوات زينب» من كلمات محمد علي أبو قطاطي. وكان راعيًا لموهبة الأستاذ عثمان مصطفى. كما تغنّى من ألحانه أيضًا الفنان محمد ميرغني بعددٍ من الأغنيات، على رأسها أغنية «آه سبا زي هدهد حزين شايل النبأ»، من كلمات شاعر ضنين الوعد الأستاذ صديق مدثر. كما تغنّى من ألحانه الفنان محجوب عثمان بأغنية «يا شادي» من كلمات إسماعيل حسن.
وفي نهاية شهر أكتوبر من عام 2024، تيتم قوس كمانته، ولبس ثوب الحداد بوفاته بعد مسيرةٍ حافلةٍ بالعطاء. ربنا يرحمه ويسكنه فسيح جناته.