
السودان يعود إلى إيغاد .. سيادةٌ راسخة ودورٌ إقليمي فاعل
السودان يعود إلى إيغاد .. سيادةٌ راسخة ودورٌ إقليمي فاعل
تقرير: مجدي العجب
حين تعود الأوطان إلى مقاعدها في محافل الإقليم، لا يكون الأمر مجرد إجراءٍ بروتوكولي، بل لحظة سياسية مشبعة بالدلالات، تختلط فيها السيادة بالكبرياء، والمسؤولية بروح المبادرة. هكذا يعود السودان إلى منظمة الهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد)، عودةً تُقرأ في سياقها الأوسع كإعلانٍ جديد عن تمسك الدولة بدورها الإقليمي، وإيمانها العميق بأن أمن المنطقة واستقرارها لا يُصنعان في العزلة، بل في فضاءات التعاون والتكامل والاحترام المتبادل. تأتي هذه الخطوة في ظرفٍ بالغ الحساسية، حيث تتقاطع التحديات الداخلية مع رهانات الإقليم، وتتعاظم الحاجة إلى منصاتٍ تجمع ولا تُفرّق، وتُقارب ولا تُخاصم. ومن هنا، تبدو عودة الخرطوم إلى “إيغاد” أشبه بإعادة تثبيت البوصلة نحو العمل الإقليمي المشترك، على قاعدةٍ واضحة: احترام السيادة الوطنية، وصون وحدة الأراضي، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء. وهي المبادئ التي شكّلت جوهر البيان الإيجابي الصادر عن سكرتارية المنظمة، ومهدت الطريق لاستئناف السودان نشاطه الكامل في عضويتها. إنها عودة تحمل في طياتها رسالة مزدوجة؛ إلى الداخل بأن السودان ماضٍ في تثبيت أركان دولته ومؤسساته، وإلى الخارج بأن الخرطوم لا تزال رقماً فاعلاً في معادلات القرن الإفريقي، وشريكاً أصيلاً في صناعة الاستقرار الإقليمي. وبين التحدي والأمل، تمضي هذه الخطوة كعنوانٍ لمرحلةٍ جديدة، عنوانها: السودان حاضر في محيطه، مؤثر في دوائره، ومتمسك بثوابته الوطنية وهو يمد يده للتعاون البنّاء.
السودان يطل من جديد
في لحظات التحوّل الكبرى، تكتب الدول مواقفها بحبر السيادة ووعي التاريخ. هكذا يطلّ السودان من جديد على منصة الهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد)، عودةً ليست مجرد استئناف لعضوية، بل استعادة لدورٍ إقليمي ظلّ محفوراً في جغرافيا القرن الإفريقي وضميره السياسي. إنها عودة تؤكد أن الخرطوم، رغم العواصف، ما زالت تمسك بخيوط التوازن بين ثوابتها الوطنية وانفتاحها على فضاء التعاون المشترك.
تجيء الخطوة متكئة على مبدأٍ لا لبس فيه: احترام السيادة، وصون وحدة الأرض، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، لتبعث برسالة واضحة أن السودان حاضرٌ في معادلة الإقليم، شريكاً لا تابعاً، وصوتاً يسعى إلى أمنٍ جماعي يقوم على التكامل لا الإملاء، وعلى الشراكة لا الوصاية.
عودة الايغاد
وأكدت حكومة جُمهورية السُّودان بأن قضايا الأمن والسلم الدوليين تُعّدْ من الأولويات التي تراعيها الحكومة، وتبذل قصارى جَهدِهَا من أجل الحفاظ عليها على المستويين الإقليمي والدولي. وتؤمن الحكومة بأن التعاون الإقليمي يعتبر الأساس الذي ترتكز عليه آفاق التعاون الدَولي. جاء ذلك في بيان صحفي اصدرته وزارة الخارجية والتعاون الدولي. واضاف البيان “إستناداً على ما ورد أعلاه، واتساقاً مع البَيان الإيجابي لِسكرتارية الهَيئة الحُكٌومية للتنمية (ايغاد)، والذي أعربت فيهِ المنظمة عبر سكرتيرها التنفيذي، عن إلتزام الأمانة التنفيذية للهيئة بالأُطر المؤسسة للعمل الإقليمي المشترك، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء، وفي مقدمتها إعترافها الكَامِلِ بسيادة السُّودان، ووحدة أراضيه وشعبه، وسلامة مُؤسساته الوَطَنية القَائمة، فإن حٌكومة جمهورية السٌودان ستستأنف نشاطها الكامل في عُضوية المنظمة”. وثمنت الحكومة عالياً الجُهود الإيجابية التي بذلها فخامة الرئيس إسماعيل عمر جيليه، رئيس جمهورية جيبوتي، رئيس الدورة الحالية للإيغاد والسيد عبد القادر حسين، وزير خارجيته ورئيس المجلس الوزاري والسكرتير التنفيذي للمنظمة السيد ورقنة قبيهو.
نقلة استراتيجية
ويقول الأكاديمي والخبير في الشؤون الأفريقية، دكتور محمد تورشين : القرار السوداني باستئناف عضويته الكاملة في منظمة إيغاد يمثل نقلة استراتيجية تحمل أكثر من بعد سياسي ويرى تورشين في حديثه ل”ألوان” أن هذه الخطوة تؤكد موقف الخرطوم من تعزيز دوره في محيطه الإقليمي، وتعيد تشكيل علاقة السودان مع دول الجوار على أساس احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، بما يعزز فرص المشاركة الفاعلة في جهود الأمن والاستقرار الجماعي. كما يشير إلى أن العودة إلى إيغاد تعكس إدراكاً سودانياً بأن التحديات الراهنة في المنطقة وعلى رأسها تداعيات الحرب الداخلية والتحولات الأمنية لا يمكن معالجتها بمعزل عن شراكات إقليمية متينة، وأن الانخراط في منظومة إيغاد هو جزء لا يتجزأ من إعادة بناء الثقة وتحقيق الاستقرار السياسي والتنمية
انخراط السودان في الفعل الاقليمي
ويضيف الأكاديمي والمحلل السياسي د. الرشيد محمد ابراهيم قائلا: موقف السودان من عضوية “إيغاد” لم يكن قراراً سياسياً معزولاً عن سياق الصراع الداخلي والتوترات الإقليمية، بل نتاج تراكمات موضوعية فرضتها تطورات الأزمة الوطنية وذهب في حديثه لالوان قائلا : في ذروة النزاع الداخلي بين الجيش الوطني ومليشيا الدعم السريع، أدّت دعوة الهيئة لحضور قائد قوات مليشيا الدعم السريع محمد حمدان دقلو، المعروف بـ “حميدتي”، إلى قمةٍ إقليمية إلى توتر حقيقي في العلاقة بين الخرطوم والمنظمة، حيث رأت الحكومة أن هذه الدعوة تجاوزت الأعراف الدبلوماسية وفتحت ثغرة في احترام سيادة الدولة، ما دفعها في ذلك الوقت إلى تجميد عضويتها احتجاجاً على ما اعتُبر اختراقاً لحدودها الوطنية وتعاملاً لا يأخذ في الحسبان خصوصيات المشهد السياسي السوداني
ومع عودة السودان اليوم إلى عضوية “إيغاد”، يقول دكتور الرشيد أن هذه الخطوة لا تُقرأ بمعزل عن الإدراك الوطني لأهمية الانخراط في الفعل الإقليمي باعتباره رافعة للأمن والاستقرار والتنمية، وأن إعادة الانخراط في المنظومة الإقليمية تصون المكانة الريادية التي ظل السودان يحظى بها في القارة، وتؤكد من جديد أن الخرطوم ما زالت حاضرة في صُنع السياسات الإقليمية، وتعمل على تعزيز مكتسباتها الدبلوماسية رغم الظروف الداخلية الصعبة.
أعلان موقف وتثبيت معادلة
قد تبدو عودة السودان إلى «إيغاد» أكثر من مجرد استئناف لعضوية إقليمية؛ إنها إعلان موقف، وتثبيت معادلة، وإعادة تموضع في لحظة إقليمية دقيقة. بين تحفظ الأمس وعودة اليوم، تتجلى براغماتية الدولة وهي توازن بين صون سيادتها والانخراط في فضاء التعاون المشترك. وهكذا يخطو السودان خطوة جديدة نحو استعادة دوره الطبيعي في محيطه الأفريقي، مؤكداً أن حضوره في دوائر الإقليم ليس خياراً عابراً، بل امتدادٌ لتاريخه وموقعه وتأثيره في معادلات الأمن والاستقرار بالقارة.