
يوسف محمد الحسن يكتب: فنانون بلا رصيد .. وكبار لا زالوا مع الترديد!!
تحت السيطرة
يوسف محمد الحسن
فنانون بلا رصيد .. وكبار لا زالوا مع الترديد!!
في زمنٍ غير بعيد، كان الغناء في السودان أكثر من مجرد أصوات تُبث عبر الأثير؛ كان ذاكرةً تمشي بين الناس، وحكاية وطن تُروى بلحنٍ شفيف وكلماتٍ صادقة، يومها كان الفنان يدخل قلوب الناس من باب الإبداع العريض، لا من دهاليز الجدل والضجيج المفتعل.
لم يكن محتاجاً إلى حشدٍ إعلامي ليصنع اسمه، لأن ما يقدمه من فنٍ رفيع كان كافياً ليقول كل شيء، ويحفر له مكاناً دائماً في وجدان الشعب السوداني.
عرف الناس مبدعيهم منذ البدايات بعبقرية الألحان وصدق الأداء، وبقدرتهم على صياغة أعمالٍ بقيت حيّة في الذاكرة، تتوارثها الأجيال كإرثٍ فني لا يصدأ، وحتى الحوارات الفنية التي كانت تُجرى مع هؤلاء العمالقة كانت تعكس مستوىً استثنائياً من الرقي؛ أسئلة رصينة يطرحها مذيعون مثقفون، وإجابات عميقة تكشف عن عقولٍ ناضجة واطلاعٍ واسع على المدارس الفنية والشعرية والسلالم الموسيقية ومناحي الحياة المختلفة.
كان حديث الفنان يطرب السامع كما تطرب أغنياته، ويكشف أن وراء الصوت عقلاً وثقافة وتجربة حياة.
أما اليوم فقد تبدّل المشهد كثيراً، تسيدت الساحة أسماء لا يُعرف لها عملٌ إبداعي يعتد به، لكنها تجيد صناعة الضجيج أكثر من صناعة الفن، يملأون الفضاء بتصرفاتٍ صبيانية، بينما رصيدهم الفني الحقيقي يكاد يكون صفراً، والغريب أن بعضهم صار مشهوراً ليس بسبب أغنية ناجحة، بل بسبب مشكلة (ناجحة)… فالأغنية تمر مرور الكرام، أما الخلاف فيعيش مواسم كاملة، ومع ذلك تُفتح لهم أبواب القنوات والمنصات، ويُقدَّمون للناس بوصفهم نجوماً، في مفارقةٍ تثير الدهشة أكثر مما تثير الإعجاب.
والأعجب أن بعضهم تجاوز الستين من عمره وما زال يقتات على مائدة غيره، يردد أغنيات العمالقة وكأنها ملكه الخاص، ولا أحد يعرف متى تبدأ المرحلة التي يقرر فيها هذا الفنان أن يغني لنفسه لا للآخرين، فهل تنتظر الأغنية الخاصة حتى سن التقاعد مثلاً؟.
ثم جاء عصر السوشيال ميديا ليزيد المشهد قبحاً؛ فقد تحوّل الفن من رسالة جمالية إلى (محتوى) يطارد سراب الترند، صارت (اللايكات) وعدد المشاهدات حكماً نهائياً على الجودة، وأصبح بعض الفنانين يبحثون عن الجدل أكثر مما يبحثون عن الجملة اللحنية المبتكرة.
في زمن الترند، صار الطريق إلى النجومية أقصر بكثير فيديو مثير للجدل قد يحقق ما عجزت عنه سنوات من التدريب والغناء، وهكذا ظهر جيل من (نجوم الصدفة) الذين يملأون المنصات ضجيجاً، بينما لا يملكون مشروعاً فنياً يضيف سطراً واحداً إلى تاريخ الغناء السوداني.
ولم تسلم البرامج الفنية من هذا الانحدار؛ فقد إختفت الحوارات الجادة التي كانت تختبر ثقافة الفنان ومعرفته، وحلّ محلها حديث خفيف أقرب إلى دردشة المقاهي من اختلف مع من؟ ومن قال ماذا؟ و(فلانة قالت فيك شنو؟) أسئلة لا تفيد أحداً، ولا تضيف معرفة، لكنها تضمن فقط مزيداً من الضجيج.
وهكذا خلت الساحة إلا من القليل القابض على الجمر من الأغنيات ذات القيمة، صار معظم ما يُسمع إعادة تدوير لأعمال الماضي، يقدمها مرددو الأغنيات بوصفهم نجوماً كباراً، بينما أرشيفهم الحقيقي لا يحتوي سوى صدى أصوات الآخرين، وهكذا تحوّل بعض الفنانين من صُنّاع للأغنية إلى مجرّد حراسٍ لأرشيف الآخرين.
المشهد اليوم يشبه مطعماً توقف عن الابتكار؛ لا يطبخ شيئاً جديداً، بل يكتفي بإعادة تسخين وجبات الأمس، ثم يقدمها في أطباق براقة على أنها (إبداع الساعة) والطريف أن الطباخ يبتسم بثقة، بينما يقف بعض الزبائن في الطابور يصفقون له بحرارة، ويقنعون أنفسهم بأن ما يتناولونه وجبة فنية طازجة… رغم أن رائحتها تقول إنها (ملاح بايت).
المشكلة ليست في المطعم وحده، بل في من اعتادوا هذا الطعم حتى ظنوه معياراً للجودة؛ فالفن الذي يعيش على ذاكرة الآخرين لا يصنع ذاكرة جديدة، بل يستهلك ما تبقى من أمجاد الماضي.
ويبقى السؤال هل نكتفي بالتصفيق لأصواتٍ تعيش على رصيد غيرها، أم نعيد السيطرة للغناء الحقيقي قبل أن يتحول تراثنا الموسيقي إلى مجرد صدى باهت… لأصواتٍ كانت يوماً تملأ الدنيا وتشغل الناس؟.
وبالمناسبة… إذا استمر الحال هكذا، فربما نصل قريباً إلى مرحلة يصبح فيها (الفنان الكبير) هو ذلك الذي يحفظ أكبر عدد من أغنيات غيره… لا الذي يكتب اسمه بأغنياتٍ خاصة تبقى للناس.
باص قاتل:
أين النقاد؟ .. الساحة بقت رماد!!.