واحة للصائمين والقائمين وأصحاب الأعذار (11) .. عناوين

ولألوان كلمة

حسين خوجلي

واحة للصائمين والقائمين وأصحاب الأعذار (11)

عناوين

 

كنت أستحي عندما أقرأ الإحصائيات عن عدد الكتب التي يقرأها اليابانيون والبريطانيون والأمريكيون والفرنسيون ودُولٌ عِدة من دول العالم الأول هل تصدقوا أن الفرد يقرأ في هذه الدول أكثر من مئة كتاب في العام! ونحن للأسف بالعالم العربي والافريقي لا نقرأ كتابا واحداً في العام! بل إن البعض لا يقرأ كتاباً واحداً في عمره!
فهل علمتم أسباب هذا التخلف السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي؟ وهل أدركتم الآن لماذا يقتل بعضنا بعضاً في لا شئ!
إن المدخل المركزي للأخلاق والتقدم يبدأ بالكتاب وينتهي به.
ولأن القراءة والمطالعة ليست غريزة وإنما هي اكتساب فإنها تبدأ بمكتبة وأب قارئ وأم قارئة وجلسة مع الأطفال أو الأولاد بساعة واحدة في اليوم يتدارسون فيها كل كتاب قرؤوه مهما كانت بساطته وضعفه فالعقول تتنامى بالكتاب البسيط حتى تألف المراجع والأسفار.
ومن النصائح الصغيرة التي تنمى هذه الموهبة أن تجعل أي فرد من أفراد أسرتك يختار فكرة أو حكاية أو معلومة يقتنصها من إحدى الكتب ويبدأ الجميع في تدارسها ويأمرهم الأب باختبارعنوان لهذه الأختيارات.
وعبر هذه العناوين التي تلخص الفكرة يبدأ العقل بالإبتكار، وأجمل تعليق في الجلسة على الأب أن يهدي لابنه أو لابنته كتاباً، ومن هنا تبدأ المعارف ومن هنا تبدأ المجتمعات المُنتجة ومن هنا نبدأ.
وكان أساتذتنا يطبقون هذه النظرية معنا في حصص اللغة العربية وكنا نختار العناوين مع الحكايات ومن هنا بدأ حُبنا للكتب وتأسيسنا للمكتبات.
واستعادة لتلك الأيام الطيبة نُهديكم هذه الحكايات وعناوينها فما رأيكم دام فضلكم بأن تبدؤوا هذا المشوار النبيل وسط عوائلكم الكريمة.

أخلاق الثوار

‏أتى الحجاج بقوم كانوا قد خرجوا عليه، فأمر بقتلهم وبقي منهم واحد، فأقيمت الصلاة، فقال الحجاج لقتيبة بن مسلم: ليكن عندك، وتغدو به علينا.
قال: فخرجت والرجل معي، فلما كنا في الطريق قال لي: هل لك في خير؟
قلت: وما هو؟
قال: إن عندي ودائع للناس، وإن صاحبك لقاتلي، فهل لك أن تخلي سبيلي؛ لأودع أهلي، وأعطي كل ذي حق حقه، وأوصي بما علي ولي، والله تعالى كفيل لي أن أرجع إليك في بكرة.
قال: فتعجبت من قوله وتضاحكت.
قال: فأعاد علي القول وقال: يا هذا، الله كفيل أن أعود إليك
ومازال يلح إلى أن قلت: اذهب.
فلما توارى عني كأنني انتبهت، فقلت: ما صنعت بنفسي؟!
ثم أتيت أهلي فبت بأطول ليلة، فلما أصبحنا إذا برجل يقرع الباب. فخرجت وإذا به، فقلت: رجعت؟
فقال: جعلت الله كفيلا ولا أرجع؟
فانطلقت، فلما بصر بي الحجاج قال: أين الأسير؟
قلت: بالباب أصلح الله الأمير
فأحضرته وقصصت عليه القصة، فجعل يردد نظره فيه، ثم قال: وهبته لك.
فانصرفت به، فلما خرجت من الدار قلت له: اذهب أين شئت!
فرفع بصره في السماء وقال: اللهم لك الحمد.
ولا قال لي: أحسنت ولا أسأت، فقلت في نفسي مجنون ورب الكعبة.
فلما كان في اليوم الثاني جاءني فقال: يا هذا جزاك الله عني أفضل الجزاء، والله ما ذهب عني أمس ما صنعت، ولكن كرهت أن أشرك في حمد الله أحدا !

شجاعة شاعر(الالتزام بالصنعة)
يُحكَى أن الخليفة المأمون ألقى قصيدة من نظمه على جلسائه، ومنهم أبو نُوَاس، فسأله المأمون عن رأيه في القصيدة
قال: هي عصيدة لا قصيدة، وشعير لا شِعر.
فغضب المأمون، وحبسه في حظيرة البهائم.
وبعد مدة ألقى المأمون قصيدة أخرى من نظمه على جلسائه، ومنهم أبو نُوَاس، فقال له المأمون: ما تقول في القصيدة؟
قال: أقول يا سَجّان خذني إلى الحظيرة.

واشوقاه لأيام المديح الفصيح

حيي زمان التصابي
أيام وصل الحبيبْ
والمشي بين الروابي
في الروض ذاك الخصيبْ
وكنت أشكوه ما بي
وكان نعم المجيبْ
وكنت ألقى ثوابي
ذاك الجمال المهيبْ
يا سعد قل للحبائبْ
عيدوا ليالي الوصالْ
لا تجعلوا الصب خائب
منكم له البعد طالْ
شدت إليكم نجائب
دوني ومالي مجال
والقلب بالشوق ذائب
وبالبكا والنحيب
جاءت إلينا البشائرْ
بغمز تلك العيونْ
وأفهمتنا الأشائر
من كن لأقصى يكون
والعقل قد كان حائر
فيهم كثير الظنون
ومنه دارت دوائر
على البعيد القريب
هذا الحمى والمنازلْ
بانت لنا من بعيدْ
والركب في الحي نازل
ويومهم يوم عيد
فلا تكن أنت هازل
واصدق تنل ما تريد
يكفيك شر النوازل
ربي ويعطي النصيب
صلَّى إلهي وسلَّمْ
على الشفيع المشفعْ
ومن لنا الخير علَّمْ
وكان للشر يدفع
محمد من تكلم
بكل ما كان أنفع
عبد الغني منه إن لم
يفز بوصل يخيب

تعسرت الرؤية وطال الصيام
قال الرياشي رحمه الله : خرجَ النّاسُ بالبصرةِ ينظرونَ هلالَ رمضانَ، فرآهُ رجلٌ منهم، ولم يزل يشير إليه حتى رآه أناسٌ غيره، فصاموا، فلما جاء وقتُ استطلاع هلالِ الفطرِ جاؤوا إلى هذا الرجلِ، ودقُّوا عليه بابَه، وقالوا له: تعالَ أخرجْنا مما أدخلتَنا فيه٠

ويظل شوقي شاعراً رغم أنف العقاد

قال عباس العقاد مخاطباً أحمد شوقي:
اعلم أيها الشاعر العظيم؛ أن الشاعر من يشعر بجوهر الأشياء، لا من يعدّها ويحصي أشكالها وألوانها، وأنه ليست مزية الشاعر أن يقول لك عن الشيء ما ذا يشبه، وإنما مزيته أن يقول ما هو؟ ويكشف لك عن لبابه وصلته الحياة به.بقوة الشعور ويقظته وعمقه واتساع مداه ونفاذه إلى صميم الأشياء يمتاز الشاعر على سواه.
ولهذا لا لغيره كان كلامه مطربًا مؤثرًا، وكانت النفوس تواقة إلى سماعه واستيعابه، لأنه يزيد الحياة حياةً كما تزيد المرآة النور نورًا.

السموأل مواطن قَطَري

‏قال الجاحظ في البيان والتبيين في شرح قصيدة السموأل بن عاديا: (وهذه الأبيات إذا تُؤملت أدّى التأمل منها إلى سلامة اللفظ والمعنى من كل معاب، وحصول الفخامة والجلالة لها في كلِّ جانبٍ وباب). ومن هذه القصيدة الفريدة في باب الفخر قوله:
تُعَيِّرُنا أَنّا قَليلٌ عَديدُنا
فَقُلتُ لَها إِنَّ الكِرامَ قَليلُ
وَما ضَرَّنا أَنّا قَليلٌ وَجارُنا
عَزيزٌ وَجارُ الأَكثَرينَ ذَليلُ
وَإِنّا لَقَومٌ لا نَرى القَتلَ سُبَّةً
إِذا ما رَأَتهُ عامِرٌ وَسَلولُ
يُقَرِّبُ حُبُّ المَوتِ آجالَنا لَنا
وَتَكرَهُهُ آجالُهُم فَتَطولُ
تَسيلُ عَلى حَدِّ الظُباتِ نُفوسُنا
وَلَيسَت عَلى غَيرِ الظُباتِ تَسيلُ
وَما أُخمِدَت نارٌ لَنا دونَ طارِقٍ
وَلا ذَمَّنا في النازِلينَ نَزيلُ
وَأَسيافُنا في كُلِّ شَرقٍ وَمَغرِبٍ
بِها مِن قِراعِ الدارِعينَ فُلولُ
مُعَوَّدَةٌ أَلّا تُسَلَّ نِصالُها
فَتُغمَدَ حَتّى يُستَباحَ قَبيلُ

القصيدة التي ألهبت العالم
‏قال ابن جني: لمَّا أنشد المتنبي قصيدته الميمية المعروفة (وا حرَّ قلباهُ) بحضرة سيف الدولة اضطرب المجلس، وقال أبو الفرج السامري أحد كبار كُتَّاب الأمير: دعني أسعى في دمه، فرخص له ذلك، وكاد أبو الطيب يهلك في هذه القصة، وأبو الفرج هذا قال فيه:
أَسامِرِيُّ ضُحكَةَ كُلِّ راءِ
فَطِنتَ وكنتَ أَغبى الأَغبِياءِ
صَغُرتَ عَنِ المَديحِ فَقُلتَ أُهجى
كَأَنَّكَ ماصَغُرتَ عَنِ الهِجاءِ
وَما فَكَّرتُ قَبلَكَ في مُحالٍ
وَلا جَرَّبتُ سَيفي في هَباءِ