
حسن بشير يكتب: البحر الأحمر .. بداية التحول من الوعود إلى الفعل
ضربة جزاء
حسن بشير
البحر الأحمر .. بداية التحول من الوعود إلى الفعل
لم تعد ولاية البحر الأحمر مجرد منطقة جغرافية تطل على ساحل طويل، بل أصبحت في قلب الحديث عن مستقبل الاقتصاد السوداني كله. فهي البوابة البحرية الوحيدة للبلاد، والرئة التي يتنفس عبرها السودان تجارته وحركته الاقتصادية، ولذلك فإن أي حديث عن التنمية الوطنية يبدأ — بالضرورة — من هناك.
لسنوات طويلة ظل المواطن في الولاية يسمع عن مشاريع كبرى وخطط طموحة، لكن الواقع اليومي كان يحكي قصة مختلفة؛ خدمات متعثرة، وضغط متزايد على المياه والكهرباء، وبنية تحتية لم تواكب أهمية موقع استراتيجي بحجم بورتسودان. هذا التناقض بين الإمكانات الهائلة ومستوى الخدمات خلق حالة من الإحباط، وجعل التنمية تبدو وكأنها وعد مؤجل لا أكثر.
غير أن الفترة الأخيرة حملت مؤشرات لتحرك جديد مع تولي الفريق مصطفى محمد نور قيادة الولاية، حيث بدأ الحديث يتحول من إدارة الأزمات إلى محاولة بناء حلول مستدامة. عودة الاهتمام بملفات الخدمات الأساسية وتحريك المشاريع المتوقفة أعطت انطباعًا بأن هناك إرادة لتغيير النهج التقليدي الذي ظل يعتمد على المعالجات المؤقتة بدل التخطيط طويل المدى.
التنمية، في حقيقتها، لا تُقاس بعدد الاجتماعات أو التصريحات الرسمية، بل بما يشعر به المواطن في حياته اليومية. حين تتحسن الإمدادات المائية، وتصبح الكهرباء أكثر استقرارًا، وتجد المؤسسات الصحية القدرة على تقديم خدماتها دون معاناة، عندها فقط يمكن الحديث عن تحول حقيقي. فالمواطن لا ينتظر خطابًا إعلاميًا بقدر ما ينتظر واقعًا مختلفًا يلمسه بنفسه.
وتبقى الموانئ البحرية هي الرهان الأكبر. فالعالم اليوم يشهد تنافسًا شرسًا بين الموانئ الإقليمية، ولم يعد الموقع الجغرافي وحده كافيًا لضمان التفوق. التطوير التقني، وتسريع الإجراءات، وربط الموانئ بمناطق صناعية ولوجستية حديثة، كلها عوامل يمكن أن تجعل البحر الأحمر مركزًا اقتصاديًا مؤثرًا، لا مجرد محطة عبور للبضائع.
إلى جانب ذلك، تقف السياحة كأحد الموارد غير المستغلة بالشكل الكافي. فالسواحل البكر والشعاب المرجانية الفريدة تمنح الولاية فرصة نادرة لبناء قطاع سياحي قادر على خلق فرص عمل واسعة وتحريك الاقتصاد المحلي. غير أن هذا الحلم يظل مرتبطًا بتوفير الأمن والبنية التحتية والاستثمار الجاد، وهي عناصر لا يمكن تأجيلها إذا أُريد للتنمية أن تكون شاملة.
ومع كل هذه المؤشرات، تبقى الحقيقة الأهم أن المواطن في البحر الأحمر أصبح أكثر وعيًا وأقل صبرًا على الوعود. فالتجارب السابقة علمته أن البدايات وحدها لا تكفي، وأن النجاح الحقيقي يقاس بالاستمرارية والنتائج. لذلك فإن التحدي الأكبر أمام القيادة التنفيذية اليوم ليس إطلاق المشاريع فقط، بل ضمان استمرارها وتحويلها إلى واقع دائم.
تقف الولاية الآن أمام لحظة حاسمة؛ فإما أن تتحول هذه التحركات إلى نقطة انطلاق لنهضة تنموية حقيقية تعيد رسم ملامح الاقتصاد السوداني، أو تعود عجلة الزمن إلى دائرة الانتظار التي استنزفت سنوات طويلة من الفرص.
الرسالة واضحة: الإمكانات موجودة، والموقع الاستراتيجي حاضر، والمؤشرات الأولى بدأت بالظهور. وما يحتاجه البحر الأحمر اليوم ليس بداية جديدة فحسب، بل إرادة مستمرة تجعل التنمية فعلًا يوميًا لا حدثًا عابرًا.