الحاج الشكري يكتب: برحيل والدي رحل جزء مهم من حياتي

نقطة وسطر جديد

الحاج الشكري

برحيل والدي رحل جزء مهم من حياتي

يوم الاثنين ٢٣/ ٣/ ٢٠٢٦م كان يوما ثقيلا لم أستطع حمله، وحزينا لم أر مثله في حياتي ٠٠ في مركز مدني للقلب في ذلك اليوم انتقل والدي الحبيب إلى الرفيق الأعلى .. وإذا لم أكن ممرضا له في المستشفى ونلت رضاه وسمعت عفوه لانشقت كبدي لنصفين، ولكن قوله لي بأنه راضٍ عني وعن إخوتي رضًى لا سخط بعده، وطلبه من الله وهو في سكرات الموت أن يرضى عنا، ولعل هذه الكلمات خففت عنا آلام الفراق لوالد ربانا أفضل تربية .. كان مزارعا ناجحا وتاجرا أنجح وصاحب شهرة كبيرة في المنطقة، وصاحب قلب طيب لم يحمل حقدا على أحد، حتى أجمع الناس أن والدي حبيب الكل، وأكثر من خمسة عشر مسجدا في أكثر من خمسة عشر قرية كانت تدعو له بالشفاء العاجل، ولكنه الأجل المكتوب لا يتقدم ولا يتأخر.
كان والدي يمثل لي حياة عظيمة جدا في حياتي، فبرحيله رحل جزء مهم جدا في حياتي، لذلك حزني على رحيله لا يوصف مهما كانت قدراتي الكتابية والتعبيرية .. تعلمت من والدي قيمة الكد والجهد والصبر والوفاء والعطاء .. جمع والدي بين مهنتي الزراعة والتجارة، وبمقاييس أبناء جيله في المنطقة وبالظرف الزماني والمكاني في ذلك الوقت أعتبره نجح في حياته إلى أقصى درجات النجاح، خاصة وهو نشأ طفلا يتيما فقيرا معدما لحد لا يوصف، تركه والده وعمره ستة سنوات مع شقيق واحد وثلاث أخوات، تركهم جدي في فقر مدقع، فأصبح شقيقه تاجرا ومزارعا مجتهدا لحد كبير، حتى كرمه ثلاثة رؤساء حكموا السودان: النميري، والصادق المهدي، وعمر البشير، بأنه الأول على مستوى أكثر من خمسين قرية من قرى مشروع الرهد الزراعي، وأصبح والدي مزارعا وتاجرا يشار له بالبنان في المنطقة، وربى وعلم وأعطى وأنفق لحياته الآخرة، نعم أنفق إنفاق من لا يخشى الفقر، فنسأل الله أن يتقبل منه وأن يجزيه عنا خيرا كثيرا ونعيما مقيما فيه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
ما ودعني والدي وأنا أستعد لأي سفر داخل أو خارج السودان قريب أو بعيد إلا احتضنني موصيا بكلمات لن تفارق أذني حتى ألحق به في دار البقاء والخلود (من الدنيا ما خايف عليك، ابقَ الف على دينك وصلاتك)، هكذا كانت وصية والد عاش قابضا على دين الإسلام ومات بفضل الله على دين الإسلام، ونحن بإذن الله سنعبد إلهه وإله آبائه إلى أن نلتقي به في جنة عرضها السماوات والأرض بإذن الله تعالى.
إن فقد والدي كان كبيرا على الأسرة الصغيرة والكبيرة والممتدة، بل على كل العشيرة، كيف لا وهو الكبير عقلا وحكمة، الأمر الذي جعلني أمكث وسط أهلي متلقيا العزاء لأكثر من أسبوعين، ولم أعد إلى بيتي في الثورة بمدينة الصحفيين إلا أمس، متلقيا العزاء من الجيران والزملاء والأحباب الذين لم تمكنهم الظروف والمشغوليات من الوصول إلى مكان العزاء هناك، فلهم منا كل الشكر والتقدير والاحترام ٠٠
وفي ختام هذا المقال لا بد أن أشكر كل من وصل مكان العزاء أو هاتف أو راسل معزيا ومواسيا في هذا الفقد الجلل، وأخص بالتحديد الأجهزة التنفيذية وعلى رأسها الأستاذ أحمد عثمان حمزة والي ولاية الخرطوم، والأخ الأستاذ الطيب سعد الدين حسان وزير الثقافة والإعلام ولاية الخرطوم، والأستاذ عثمان عبد الله فضل السيد المدير التنفيذي لمحلية الفاو، كما أشكر القوات المسلحة، وأخص بالشكر سعادة الفريق محاسب عادل العبيد عبد الرحيم عبد الرحمن المدير العام للمؤسسة التعاونية الوطنية وضباطه وجنوده الذين وصلوا مكان العزاء، كما أشكر رجال المال والأعمال، وأخص بالشكر رجل الأعمال الأنيق السيد محمد مأمون البرير الذي هاتف معزيا من خارج البلاد، وأشكر الإدارة الأهلية، وأخص بالشكر الأمير محمد علي يعقوب الناطق الرسمي باسم الإدارة الأهلية في السودان الذي قدم في مكان العزاء كلمات مؤثرة وقوية في حقي وحق والدي الراحل المقيم، ويمتد شكري للزملاء الصحفيين والأحباب الكرام من الذين تكبدوا مشاق السفر، وهم الأساتذة يوسف عبد المنان، والهادي حمدان، وجمال الكناني، وياسر مختار، وأحمد الشيخ، فخففوا عنا بعض الأحزان، والشكر موصول لكل الزملاء في داخل السودان وخارجه، وللجيران في مدينة الصحفيين بالثورة الحارة ١٠٠، والشكر موصول لكل قرى جنوب ووسط الفاو، وللأهل في ود الركين شرق سنار، والشكر للأهل والجيران في القرية (٤)، نسأل الله لهم جميعا أن يجزيهم خيرا ويعظم أجرهم ويجزل ثوابهم. وأن لا يريهم مكروها في عزيز لديهم، آمين يا رب العالمين. رحمة الله تغشاك والدي الحبيب، وأن يسكنك الله الفردوس الأعلى. وعهدي معك أن لا أنساك إلى أن ألحق بك، وأن أعمل بوصيتك ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله العلي العظيم وما نقول إلا ما يرضي ربنا. إنا لله وإنا إليه راجعون.