
عقار وآبي أحمد .. لقاء المكاشفة في جيبوتي
عقار وآبي أحمد .. لقاء المكاشفة في جيبوتي
تقرير: مجدي العجب
في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تتقاطع فيها المصالح وتتصاعد فيها رهانات النفوذ على حساب أمن الشعوب واستقرار الدول، يكتسب اللقاء المغلق الذي جمع نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي، القائد مالك عقار إير، برئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، على هامش مراسم تنصيب الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر جيله، أبعادًا تتجاوز حدود المجاملة الدبلوماسية أو اللقاءات البروتوكولية العابرة. فالاجتماع يأتي في توقيت بالغ الحساسية، والسودان يخوض واحدة من أخطر معاركه الوجودية في مواجهة مشروع تخريبي متعدد الأذرع، تمددت خيوطه داخل الإقليم، وباتت أصابع التدخل الخارجي فيه أكثر وضوحًا من أي وقت مضى. ولم يعد الحديث عن أدوار إقليمية داعمة للحرب على السودان محض تكهنات سياسية أو اتهامات مرسلة؛ إذ تتزايد المعطيات والمعلومات التي تشير إلى انخراط أطراف خارجية في تغذية الصراع، سواء عبر الإسناد اللوجستي أو فتح المسارات الجغرافية أو توفير المظلات السياسية والإعلامية لمليشيا الدعم السريع، التي تواجه اتهامات واسعة بارتكاب انتهاكات جسيمة ضد المدنيين والبنية التحتية للدولة السودانية.
وبرزت إثيوبيا في قلب المشهد، وسط معلومات متواترة تتحدث عن استخدام أراضيها كنقاط انطلاق أو إسناد لعمليات استهدفت العمق السوداني، بما في ذلك الهجمات بالطائرات المسيّرة التي طالت مرافق حيوية، الأمر الذي دفع قطاعات واسعة داخل السودان للمطالبة بموقف رسمي أكثر صرامة تجاه أديس أبابا. ويأتي لقاء عقار وآبي أحمد بعد تصاعد غير مسبوق في التساؤلات بشأن طبيعة الدور الإثيوبي في الأزمة السودانية، خاصة في ظل اتهامات تتردد داخل الأوساط السياسية والإعلامية السودانية بوجود تقاطع مصالح بين الحكومة الإثيوبية ومشروع إقليمي تُتَّهم به أبوظبي، باعتباره داعمًا لمليشيا الدعم السريع ومساندًا لمسارات من شأنها إضعاف الدولة السودانية وإطالة أمد الحرب. وبينما تلتزم بعض العواصم الإقليمية خطاب الحياد المعلن، تذهب قراءات سودانية إلى أن الواقع الميداني يشي بعكس ذلك، مع استمرار تدفق الدعم بوسائل مختلفة إلى المليشيا، في وقت يخوض فيه الجيش السوداني معركة استعادة الدولة وحماية سيادتها الوطنية.
من هنا، لا يمكن قراءة اللقاء المغلق في جيبوتي بمعزل عن المشهد العسكري والسياسي الراهن، ولا عن الانتصارات الميدانية التي حققتها القوات المسلحة السودانية خلال الأشهر الأخيرة، والتي أعادت رسم موازين القوى على الأرض وفرضت معادلات جديدة في الإقليم. فالسودان، وهو يستعيد زمام المبادرة عسكريًا، يبدو أكثر تمسكًا بفتح ملفات التدخلات الخارجية ووضع الأطراف المتهمة أمام مسؤولياتها السياسية والأخلاقية والقانونية، خاصة إذا ثبت تورطها في أعمال تمس سيادة البلاد وأمنها القومي.
وعليه، تتجه الأنظار إلى ما دار خلف الأبواب المغلقة بين عقار وآبي أحمد: هل حمل اللقاء رسائل سودانية حاسمة بشأن احترام السيادة ووقف أي دعم أو تسهيلات للمليشيا؟ أم أنه يمثل بداية اختبار جديد للعلاقات السودانية الإثيوبية في ظل مناخ إقليمي محتقن؟ أسئلة مشروعة تفرض نفسها بقوة، فيما يترقب السودانيون ما إذا كانت الدبلوماسية قادرة على انتزاع مواقف واضحة توازي صمود الميدان وتضحيات شعب أنهكته الحرب لكنه لم يفقد إيمانه بوطنه ووحدته.
مالك عقار يواجه آبي أحمد
وكشفت وسائل إعلام جيبوتية، عن عقد اجتماع مغلق ومهم بين نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي، القائد “مالك عقار إير”، ورئيس الوزراء الإثيوبي “آبي أحمد”، وذلك على هامش مشاركتهما في حفل تنصيب الرئيس الجيبوتي “إسماعيل عمر جيله”. ويأتي هذا اللقاء في توقيت مفصلي، حيث يمثل فرصة لوضع الحكومة الإثيوبية أمام مسؤولياتها تجاه الاعتداءات الأخيرة بمسيّرات انطلقت من أراضيها واستهدفت سيادة السودان ومطار الخرطوم الدولي. إن دبلوماسية الدولة السودانية، المسنودة بانتصارات القوات المسلحة السودانية الأبية في الميدان، لا تداهن في ثوابت الوطن؛ فالسيادة السودانية خط أحمر، ودعم مليشيا الجنجويد الإرهابية هو خيار انتحاري لكل من يراهن على تفتيت بلادنا.
نحن في “منصة أهلنا” نؤكد أن هيبة السودان تُنتزع في ميادين القتال وتُفرض في طاولات التفاوض بقوة الحق. إن محاولات الغدر التي تباركها غرف “قحت” و”صمود” و”تأسيس” لن تزيد جيشنا وشعبنا إلا تماسكًا. العالم اليوم يدرك أن السودان ليس لقمة سائغة، وأن قادتنا في بورتسودان والخرطوم يديرون معركة الكرامة بكل حنكة وشجاعة لتطهير بلادنا من المرتزقة ومن يمولهم ويؤويهم.
أهمية اللقاء
ويرى الصحافي والمحلل السياسي عبدالعظيم صالح أن لقاء المكاشفة الذي جمع نائب رئيس مجلس السيادة مالك عقار برئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في جيبوتي لا يمكن فصله عن السياق الأمني والعسكري المعقد الذي تمر به المنطقة، لافتًا في حديثه الذي خص به «لـ(ألوان)» إلى أن توقيته يمنحه أهمية استثنائية في ظل الاتهامات المتصاعدة بشأن أدوار إقليمية في الحرب الدائرة بالسودان. ويقول صالح إن السودان بات أكثر تمسكًا، بعد التحولات الميدانية الأخيرة، بطرح ملف التدخلات الخارجية بصورة مباشرة أمام الأطراف الإقليمية، مشيرًا إلى أن أي حوار مع إثيوبيا يجب أن يُبنى على الوضوح والالتزام بمبادئ حسن الجوار وعدم السماح باستخدام الأراضي أو الحدود في أي أعمال تمس الأمن القومي السوداني.
وأضاف أن السودان، وهو يدير معركة سياسية وعسكرية في آن واحد، يسعى إلى تثبيت معادلة جديدة تقوم على احترام سيادة الدولة السودانية ورفض أي دعم مباشر أو غير مباشر للمجموعات المسلحة. واعتبر أن نجاح هذا المسار يتطلب مواقف إقليمية واضحة تتجاوز لغة المجاملات الدبلوماسية، لأن استقرار السودان ـ بحسب تعبيره ـ يمثل ضرورة لأمن القرن الأفريقي بأكمله، وليس شأنًا سودانيًا داخليًا فحسب.
المصارحة
فيما يرى الصحافي والمحلل السياسي عاصم البلال الطيب أن اللقاء الذي جمع مالك عقار برئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في جيبوتي يمثل محطة سياسية دقيقة لا تحتمل المجاملات الدبلوماسية التقليدية، خاصة أنه يأتي في ظل أجواء مشحونة بالشكوك والتوتر بشأن طبيعة الأدوار الإقليمية المرتبطة بالحرب في السودان. ويقول عاصم، في حديث لـ«لـ(ألوان)»، إن السودان اليوم يتحدث من موقع مختلف، بعد متغيرات ميدانية وسياسية أعادت ترتيب الأوراق، موضحًا أن أي حوار مع أديس أبابا ينبغي أن يكون قائمًا على المصارحة ووضع الملفات الخلافية على الطاولة، وفي مقدمتها أمن الحدود، واحترام السيادة، ومنع أي أنشطة أو تحركات يمكن أن تُفسر باعتبارها دعمًا غير مباشر للأطراف المسلحة. وأضاف أن الإقليم بأسره يدفع ثمن استمرار الحرب، وأن إثيوبيا، بحكم الجوار والتأثير، مطالبة بلعب دور يسهم في التهدئة والاستقرار، لا أن تصبح جزءًا من حالة الاستقطاب التي تزيد المشهد السوداني تعقيدًا وتطيل أمد الأزمة.
اختبار دبلوماسي
ويبقى لقاء جيبوتي اختبارًا حقيقيًا لمدى قدرة الدبلوماسية على تبديد الشكوك وفتح صفحة أكثر وضوحًا في العلاقات السودانية الإثيوبية، وسط ترقب لما إذا كانت الرسائل المغلقة ستنعكس مواقف معلنة تحفظ أمن السودان واستقرار الإقليم.
بعد أن مارست إثيوبيا كثيرًا من التعديات والاعتداءات على السودان وفتحت أراضيها لمليشيا الجنجويد التي تديرها حكومة أبوظبي في مشروعها التخريبي الذي يستهدف السودان.