
الشاعر الجيلي محمد صالح .. (رحت في حالك نسيتني)…
بروفايل
الشاعر الجيلي محمد صالح .. (رحت في حالك نسيتني)…
بقلم: صلاح الدين عبد الحفيظ
يقول شاعرنا الجيلي محمد صالح الفكي: (ولدت أثناء الكسوف الكلي للشمس منتصف نهار الجمعة 23 يوليو 1930م). وله تفسير طريف لذلك الميلاد؛ مفاده أن من يولد أثناء الكسوف يبدع؛ يكون مميزاً؛ أو مجنوناً. ولد بالمديرية الشمالية عمودية جلاس، بدأ حياته العملية بالسكة الحديد وفي العام 1948م شارك في حرب فلسطين مجنداً تحت إمرة الصاغ شوقي الأسد بالأورطة السودانية. تجول في رحاب الوطن حين كان موظفاً بالسكة الحديد (1947 ــ 1971م). يحدثك عن القبائل ودلالات أسمائها. والمفترى عليهم في تاريخ السودان. وعدم انتمائه لحزب سياسي أوطائفة دينية. كما تفرَّد شاعرنا بذاكرة ذهبية في حفظ أزمنة الوقائع وتفاصيلها كأنه جزء منها. يحدثك عن مغامراته في جبال النوبة وهزيمته للمصارع العملاق (أنقلو). وهو المحبوب أينما أرتحل، المُكرّم بموهبته و(طيبته)؛ حتى تغنت له عفيفات مدينة الأبيض في ذلك الشتاء الستيني:
الجيلي يا الراسي
قاعد في الكراسي
ود الحلال وينو
كتَّر لِي هلواسي
بين عطبرة؛ الخرطوم؛ الأبيض؛ بورتسودان؛ وجبال النوبة، أخلص في النشاط الثقافي؛ الرياضي وهو شاب آنذاك. تألق في العمل الإجتماعي وأسهم في تأسيس بعض صروحه منذ منتصف الأربعينيات. وهذه لمحة قصيرة جداً من سيرة نشاطه:
1 ــ عضو مؤسس ورئيس لرابطة نهر عطبرة الأدبية المدرسية (1945م).
2 ــ عضو مؤسس ورئيس فرقة كردفان الفنية بالأبيض (1956م).
3 ــ عضو مؤسس ورئيس لرابطة السجانة الفنية ورئيس لجنة النصوص (1959م).
4 ــ رئيس اتحاد شعراء الأغنية السودانية عند إعادة تأسيسه عام 1973م؛ وإلى 1979م.
نال عضوية وسكرتارية أندية رياضية ثقافية اجتماعية في مدن سودانية مختلفة (وادي حلفا؛ عطبرة؛ بورتسودان؛ الخرطوم) ومارس الملاكمة وكرة القدم . لكن الناس عرفوه كشاعر غنائي عالي المقام ببساطة مفرداته ومباشرتها للمحبوب. عرفوه بدأبه في أزقة الحياة بلا أنين وتذمر وقد ولّى الشباب. كما عُرف بخفة دمه. يقول عن نفسه في أحد الحوارت معه: (أنا محافظ على صحتي بالصِدق والصراحة وأكل التمر. وآخر حبّة للملاريا بلعتها بالغلط سنة 1952م)!.
عَبَرَت أغنيات شاعرنا الجيلي محمد صالح الذي يعد من موسسي الأغنية السودانية عبر كلمات صاغها شعرآ وتغنى بها كبار الفنانين ومن أشهرها ونالت مكانتها وعنايتها في الأفئدة؛ مثل ماضي الذكريات للفنان عثمان مصطفى:
رحت في حالك نسيتني
وأعتبرت الماضي فات
لما إنت خلاص جفيتني
ليه بتحكي الذكريات
لما تحكي ذكرياتنا كنت تحكيها بأمانة
كيف بدت كيف إنتهت
وأتبددت قبال أوانا
وكيف أمانينا الجميلة حلت الآهات مكانا
كفاية أشوفك بي خيالي
وأستعيد أحلى الليالي
وأبكي أيامي الخوالي
وكل ماضي الذكريات
ذكرياتنا مهما كانت برضو ترديدا بيألم
ليه تردد ذكرياتنا ويوم ألاقيك ما بتسلم
ليه بديت انت الفراق وانت عارفو كيف بيألم
رميتني في نيران صدودك
تاني ما بصدق عهودك
أنا بحاول أنسى ريدك
وأنسى ماضي الذكريات
كنت دايما بعذرك
باقي ليل حرمان شبابي
كنت راضي تدللك
برايا بتحمل صعابي
إلا ما برضى التجاهل
لي شعوري لي عذابي
تعال وبادلني الوداد
ولا قاسمني السهاد
أنته لو راضي البعاد
ليه بتحكي الذكريات
راجت أغنيات شاعرنا مثل توبة والحِبيِّب لمحمد وردي. ومن أجمل ما تغنى به العاقب محمد حسن ذلك اللحن الدافئ الحزين تظلمني ليه. وغنى له عثمان حسين كفاية. وكتب لعبد العزيز داوود، ابن البادية، محمد حسنين، أحمد فرح، التجاني مختار، شرحبيل، وغيرهم.
الجيلي محمد صالح من شعراء (الإلفة) الذين يدعون للتصافي، مثلما حملت أغنيته الودودة (خصام) بصوت الفنان صلاح مصطفى:
ليه يا حنين ليه الخصام
شايفك نسيت الدنيا عيد وعارف خصام العيد حرام
شعوري واحساساتي ليك دائما خصامك جارحا
وبعادي لو ما هان عليك أسباب خصامك وضحاا
مهما تداري الطيبة فيك ترجع عيونك تفضحا
ساحرني فيك صفاء الخدود مضوي زي شمس الضحى
رسلت ليك ألطف عتاب رديت علي بمعاندة
أنا كنت منتظرة الجواب فيهو التهاني معايدة
ريحة عطور وأثر خضاب
وكل الأماني الرايدا
خليتني جاري ورا السحاب
أحلى الأماني أشيدا
ليه يا حنين ليه الخصام
شايفك نسيت الدنيا عيد وعارف خصام العيد حرام
العيد بشوفو علي ظلام
تعال بحسنك نورو
رسل جواب يحكي الغرام
بأريج خضابك عطرو
أملاهو بالشوق والهيام
والماضي لو تذكرو
ماضي الغرام الكان زمان عارفك أمين ما بتنكرو
ليه يا حنين ليه الخصام
شايفك نسيت الدنيا عيد وعارف خصام العيد حرام
لا غرو فشاعرنا الجيلي محمد صالح أبعد الناس عن الخصام. ظل حتى وفاته يحلم بوطن من غير خصام. كانت لحظاته (عيد) من التسامح في رحلة امتدت عبر تموجات السنين الطويلة بالعديد من العلاقات الاجتماعية والتجارب والمشاهدات والأشعار الجميلة. فإذا طوى الموت الجسد، فإن روح العطر باقية.
شاعرنا الكبير الجيلي محمد صالح ترك بصمة واضحة في خارطة الاغنية السودانية، ولشاعرنا عدد كبير من المؤلفات المتمثلة في 61 ديوان شعر و15 مسرحية و25 بحثآ وعدد 33 أغنية مسجلة في إذاعة أمدرمان وراديو القاهرة ولندن و39 ديوانآ بأسم مزامير وله عدد 32 أغنية مجازة وملحنة لم ترى النور بعد.
إنتقل شاعرنا الجيلي محمد صالح إلى الرفيق الأعلى في سبتمبر من العام 2011م.