
الخرطوم تنهض من الرماد .. عودة الحياة وسقوط رهانات الفوضى
الخرطوم تنهض من الرماد .. عودة الحياة وسقوط رهانات الفوضى
تقرير: مجدي العجب
في مشهدٍ يفيض بالدلالات، لم يكن هبوط طائرة الخطوط الجوية الكويتية في مدرج مطار الخرطوم مجرد رحلة عابرة، بل كان إعلانًا كثيف المعاني عن عودة الروح إلى قلب العاصمة. وهناك، حيث كانت السماء قبل وقت قريب مثقلة بدخان الحرب، بدت اليوم صافية، كأنها تستعيد ذاكرتها الأولى، وتستعيد أمنها وأمانها، وقد بدت الخرطوم وهي تستقبل الطائرة كأمٍ تفتح ذراعيها لابنٍ طال غيابه. فالمطار الذي ظل شاهدًا على تقلّبات البلاد، عاد ليتنفس الحركة والحياة، وتعود إليه أصوات النداءات، وخطوات المسافرين، وإيقاع الوطن وهو ينهض من تحت الركام. فهذا المشهد لا يمكن فصله عن صورة أوسع؛ أي صورة السودان وهو يخرج، ببطء ولكن بثبات، من عنق الزجاجة. الخرطوم التي أُريد لها أن تكون مدينة خاوية، تعود اليوم مدينةً آمنةً نابضة، تستعيد شوارعها إيقاعها، وتستعيد مؤسساتها حضورها، في رسالة واضحة أن الدولة لم تسقط، وأن العاصمة لم تُكسر. الأمن الذي يتمدد، والحياة التي تعود، ليسا حدثًا عارضًا، بل نتيجة لصمود مؤسسات الدولة، وعلى رأسها القوات المسلحة، التي تخوض معركة الوجود نيابة عن شعبٍ كامل.
وهنالك في المقابل، تتهاوى رهانات الخارج على فوضى لا تتحقق. المشروع الذي نُسج في الغرف المغلقة، وتحديدًا في أبوظبي، والذي راهن على تفكيك السودان عبر أدواته في الميدان، يتكشف اليوم بوصفه وهمًا سياسيًا وأخلاقيًا. فإن استخدام مليشيا الجنجويد وبعض الواجهات مثل ما يُسمى بـ”صمود” لم يكن سوى محاولة لفرض واقع مصطنع، يقوم على العنف والتشظي، لكنه اصطدم بإرادة وطنية صلبة، وبجيشٍ لم يسمح بانهيار الدولة.
فاللغة هنا لا تحتمل التجميل؛ ما جرى ويجري هو صراع بين مشروعين: مشروع دولة ومؤسسات، ومشروع فوضى وتفكيك. الأول يستند إلى تاريخ السودان وعمقه الشعبي، والثاني يستند إلى المال والسلاح والدعم الخارجي. ومع كل طائرة تهبط في مطار الخرطوم، ومع كل شارع يستعيد أمنه، تتراجع سردية الفوضى، ويتقدم واقع التعافي.
هكذا، بين هدير الطائرات في سماء الخرطوم، وصمت المشاريع التي سقطت قبل أن تكتمل، يكتب السودان فصلًا جديدًا: فصل العودة… لا كما كان، بل أقوى، وأكثر وعيًا بما حيك ضده، وأكثر تمسكًا بوطنٍ لا يقبل القسمة ولا الانكسار.
إستعادة توازن الدولة
ويقول الصحافي والمحلل السياسي عاصم البلال الطيب: إن مشهد عودة الحركة إلى مطار الخرطوم، واستقبال الطائرات الدولية، ليس مجرد مؤشر خدمي أو لوجستي، بل هو إعلان سياسي صريح بأن الدولة السودانية استعادت توازنها، وأن العاصمة خرجت من دائرة الاستهداف إلى فضاء السيطرة والاستقرار. وأكد البلال في حديث لـ(ألوان) أن ما جرى خلال الأشهر الماضية كشف بوضوح طبيعة الصراع، حيث لم يكن نزاعًا داخليًا معزولًا، بل جزءًا من مشروع إقليمي سعى إلى تفكيك السودان عبر أدوات محلية، في مقدمتها مليشيا الجنجويد وبعض الكيانات التي حاولت تسويق نفسها كبدائل سياسية.
وأشار في حديثه لنا إلى أن فشل هذا المشروع يعود إلى عاملين رئيسيين: أولًا، صمود القوات المسلحة وتمسكها بوحدة الدولة، وثانيًا، التفاف قطاعات واسعة من الشعب السوداني حول فكرة الوطن ورفضها لسيناريوهات الفوضى. ويضيف أن الرهان على إنهاك الخرطوم وتحويلها إلى مدينة غير قابلة للحياة سقط عمليًا مع عودة الخدمات الأساسية وتزايد مؤشرات الأمن.
ويذهب في ختام حديثه قائلًا إلى أن الرسالة الأهم اليوم هي أن السودان ليس ساحة مفتوحة للتجارب، وأن أي محاولة لإعادة إنتاج الفوضى ستواجه بواقع جديد تشكلت ملامحه على الأرض، وإن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من منطق الصمود إلى منطق البناء، عبر مشروع وطني جامع يعيد ترتيب الأولويات، ويغلق الباب نهائيًا أمام أي تدخلات تسعى لفرض أجندة خارجية على حساب سيادة السودان واستقراره.
تحول نوعي
ويذهب الأكاديمي والمحلل السياسي دكتور الرشيد محمد إبراهيم إلى أن عودة النشاط إلى مطار الخرطوم واستقبال الرحلات الدولية تمثل تحولًا نوعيًا في مسار الأزمة. وقال في تصريح خص به (ألوان)، يجب أن تُقرأ بعين تحليلية أوسع، لا تكتفي بالرمزية، بل تتفحص ما وراءها من معادلات القوة والتحولات على الأرض. ويرى أن ما حدث يعكس استعادة الدولة لجزء معتبر من سيادتها التشغيلية، وهو مؤشر مهم على تراجع قدرة الفاعلين المسلحين خارج إطار الدولة على فرض واقع موازٍ. وأكد أن الصراع في السودان تجاوز كونه مواجهة عسكرية إلى كونه صراعًا على تعريف الدولة نفسها: هل تكون دولة مؤسسات أم فضاءً مفتوحًا لسلطات موازية؟ ويشير إلى أن الرهانات الإقليمية التي سعت لتغذية حالة السيولة عبر دعم أطراف بعينها لم تحقق أهدافها الاستراتيجية، ليس فقط بفعل العامل العسكري، بل أيضًا بسبب تعقيدات البنية الاجتماعية السودانية التي ترفض واقعًا مواز.
مشروع الوطن الفسيح
وما بين عودة الطائرات إلى مدارج الخرطوم، وانحسار رهانات الفوضى، يقف السودان على أعتاب مرحلة فارقة لا تحتمل أنصاف الحلول. فالمعركة التي خيضت لم تكن فقط لاستعادة الأرض، بل لاستعادة معنى الدولة وهيبتها، وترسيخ فكرة أن الوطن أكبر من أي مشروع عابر أو أجندة مستوردة. ومع انكسار موجة الاستهداف، تتقدم اليوم مسؤولية البناء، لا بوصفها خيارًا، بل قدرًا لا مفر منه. إن ما تحقق على الأرض يضع الجميع أمام اختبار جديد: كيف يتحول الانتصار إلى استقرار دائم، وكيف تُترجم التضحيات إلى مشروع وطني جامع يؤسس لسلام مستدام وعدالة متوازنة. فالخرطوم التي استعادت نبضها، تنتظر ما هو أبعد من عودة الحياة، تنتظر مستقبلًا يُبنى بإرادة أبنائها، ويُصان بوحدة صفهم.
هكذا، يكتب السودان خاتمته المفتوحة على الأمل: دولة تنهض من تحت الرماد، لا لتعود كما كانت، بل لتكون أكثر قوةً، وأكثر وعيًا، وأكثر تمسكًا بسيادتها ووحدتها.