
عثمان الشفيع .. (غرد يا كناري وحاكي العندليب)…
عثمان الشفيع .. (غرد يا كناري وحاكي العندليب)…
بقلم: عوض أحمدان
قبل أن ينتصف شهر سبتمبر، عام ١٩٨٩م، بيوم واحد، غشيت البلاد، سحابة من الحزن الذي أطبق علي المسامع والقلوب، عندما إهتزت أركان المجتمع، إثر رحيل، (فنان الذكريات)، عثمان الشفيع، أحد الرواد، الذين عملوا بكل اجتهاد لنهضة وتطوير الأغنية السودانية، بالبحث المضني عن المفردات الجديدة، والألحان التي تلائم مضامينها، حتى تحققت إرادتهم الغلابة، في إرساء بنيان الغناء الراقي الجميل. بدأ الشفيع، مساره الغنائي في شندي، مستنداً علي البعد الصوفي الذي تملكه، في سني حياته الأولى، مردداً مدايح الطريقة القادرية. تحوّل بعدها إلى شباب الختمية، برع في قراءة (المولد)، وأبدع بصوته الرخيم، في (التوسل)، و(البَرَاق)، وكافة أهازيج الطريقة الختمية، التي ألفها (الختم) الكبير، وقبل ذلك كله، كان مؤذناً ينادي بصوته عالياً للصلوات بمسجد حوش بانقا، نحو عام كامل. مثل ما كانت بداياته رفع النداء، كانت النهاية بمسجد علي الحاج، بالثورة الحارة الرابعة، الذي كان صوت الشفيع، يخترق الحواجز، عبر مكبر الصوت، يحث المصلين، لأداء الصلوات.
في شندي، راودته فكرة الغناء، بعد أن أوزع له الأصدقاء، وأشاروا إلى جمال صوته وقدراته التطريبية العالية، فعمد من حينها إلى حفظ وسماع الأغنيات الشعبية، وأغنيات الحقيبة، التي كانت تبثها أسطوانات المقاهي في سوق شندي، يقوم بترديدها مع زمرة من أصدقائه، عثمان الماحي فزع، بشير بادي، بادي الأمين، بشير عمر، صالح شيخ العرب، علي الأمين، الهادي الياس، يخرجون بعيداً عن المدينة، ليمارسوا هوايتهم في الغناء، خوفاً من بطش الأهل، ومعاقبة المجتمع. بدأ نجمه في الظهور، وتمدد إسمه في (ربوع شندى)، كفنان مطلوب في المناسبات وليالي الأفراح، حتى استهوته الرغبة الملحة للإلتحاق بالإذاعة السودانية، التي شدا فيها مغرداً في عام ١٩٤٣م، وقد سبقه إليها، الرواد، التجاني السيوفي، محمد احمد سرور، حسن عطية، إبراهيم الكاشف، أحمد المصطفى، عبد الحميد يوسف، ومن يومها، إنضم الشفيع إلى ركب المبدعين، الذين غزوا مراتع الإبداع، بجميل الأنغام.
غنى الشفيع في بدايته (الباسم الفتان)، كتبها شاعرها مبارك المغربي، على نهج أغنية، عبيد عبد الرحمن (الشال منام عيني)، التي غناها الكاشف، ثم توالت رحلته مع عدد من الشعراء، أشهرهم وجه ثنائيته الثاني، محمد عوض الكريم القرشي، وقد غنى له الشفيع، قبل أن يلتقيه، فلما سمعه القرشي، قال لخاصته قولته المشهورة (الآن وجدت ضالتي المنشودة)، فجمعت بينهما الأيام، أروع ما يكون، لقاء بين مبدعين، كل واحد يبحث عن الآخر، فلما وجده، إزداد الرباط قوةً، واكتسى مهابةً، وأثمر عن جملةِ من الأغنيات والألحان، التي سارت بذكرها الركبان، الذكريات، الحالم سبانا، رمز الجمال، البان جديد، عيد الكواكب، جنود الوطن، الزهور والورد، القطار المرّ، الفارق ما لقيت، المالك شعوري، ملامة، الشاغل الأفكار، وغيرها.
لم يكن عثمان الشفيع فناناً فحسب، كان إنسانا قبل كل شيء، يتدثر بالهدوء والرزانة والوفاء والصدق، وصفاء النية، والإخاء، والاحتفاء، والكرم الذي يحيط به أهله وضيوفه، بما تعجز عن وصفه وكمه وكيفه مثل هذه الكلمات.
كان، الشفيع وطنياً من طراز فريد، ينوم ويصحو، على عشق التراب، وعافية الوطن، يحدوه الأمل والتطلع، إلى نهضة شاملة، لا تستثني جزءًا من أرجائه، وردت هذه المعاني والأمنيات، في كثير من ألحانه، العاطفية والوطنية.
بعد رفع إضراب الفنانين مع الإذاعة، عام ١٩٥١م، دخل الشفيع ليغني (وطن الجدود)، التي كتبها القرشي، مشحونة بالتماسك ووحدة الوطن، والدفاع عن الأرض، وهي ذات المعاني التي كان يرجوها الشفيع لوطنه العزيز، جاء في أبياتها مخاطباً الشباب:
هيا يا شباب هيا للأمام، سودانا قد ملّ الملام، جهلٌ وفقرٌ وإنقسام، فلنتحد ويجب نعيش، في وطنا امجادا كرام…الخ. وكلاهما (القرشي والشفيع) كأنه كان يقرأ مالآت المستقبل البعيد، عمر الأغنية الآن، نحو أربعة وسبعين عاماً، تمثل أعمار أجيال وأجيال، بذل شباب الوطن، (وما يزال) الأرواح مهراً غالياً، زوداً عن وطنٍ، ما زالت تتجاذبه أطماع الأعداء، من الذين تداعوا عليه، كما تتداعى الأكلة على قصعتها، إتخذوا مليشيا التمرد، ستاراً يتخفون خلفه، لتنفيذ أجندتهم التي لا تريد للسودان، ولا أهله، أمناً ولآ خيراً، ولا إستقراراً، وصية تؤام الروح (القرشي والشفيع) لن تضيع هدراً، فمن بين الدمار والحطام، تنهض أمة جديدة، تعضّ على تماسك وطنها، ووحدة أراضيه بالنواجز، وقوفاً وتلاحماً، خلف الجيش الوطني، وجنوده الأوفياء، الذين لبوا النداء، وخاضوا المعارك بالدماء، وإلى ذلك أشار الشفيع في أغنيته المعروفة (جنود الوطن).
عاش عثمان الشفيع، حياته زاهداً في جمع المال، يقبض ما تيسر له، فينفقه في حينه، علي بيته وأهله، كان يوفر أسبوعياً مبلغاً من المال، يوقفه لتجهيز المقابر، وغيره مما لا نكاد نعرفه، من أوجه البر ودروب الخير الأخرى…
كان الشفيع، حفياً باصدقائه، وفياً لعلاقاته، صادقاً في صِلاتِه، جالست كثيراً صديقه الحميم، محمد جيلاني آدم، (رد الله غربته)، كانت علاقته بالشفيع، مضرب المثل، يزوره في مدينة الفنون (ودمدني)، وعندما يأتي (الجيلاني)، إلى ربوع أمدر، يكون في معية الشفيع، يعرف عن تاريخه وقصص أغنياته مالم يعرفه غيره من البحاثة والمهتمين، فهو (ذاكرة) الشفيع المتقدة، التي ما تزال تختزن عنه، الكثير من المواقف والحكايات، ودفق (الذكريات)، فقد أخذته الحرب المفروضة، بعيداً وقسراً عن وطنه الذي أحب، فهاجر مضطراً خارج الحدود، وصدره يمتليء بوافر المعلومات عن صديقه ، عثمان الشفيع، وعن معشوقة، (الجيلاني) ومهد صباه، ودمدني، مدينة السحر والأدب والفن والجمال.
سيبقى الشفيع، رغم مرور ستة وثلاثون عاماً على رحيله، رمزاً من رموز الوطن الجريح، كان من الاتحاديين المخلصين، يميل للوسطية في كل شؤنه، لا يسعى البتة إلى خلق العداوات، يقابل الإساءة إليه بالصفح والتسامح، لا يعادي أحداً، ولا يتربص بعدوه الدوائر، فقد جعل هذه الصفات، (ميراثاً) اقتسمته من بعده، أسرته الصغيرة، وأهله، الذين مازالوا يقتفون أثر الشفيع، ويحاكون طريقته، في التعامل والتعاون، وفاءًا له في مرقده.
أكتب هذه السطور، بصعوبة من بين وطأة (الالتهاب الحاد)، ووخزه الشديد، ما كان في إستطاعتي فعل ذلك، لولا إلتزامي المسبق، بانفاذ وصية، عندما زرته في منزله، قبل ساعات من سفري إلى (نيالا)، في مأمورية رسمية، قبل أن تجور عليها الأيام مؤخراً، كانت بوادر المرض، قد ظهرت عليه، فلما ودعته، أمسك بيدي قائلا: (لقد كرمنا الشعب السوداني أينما ذهبنا، أرجو الا تنسونا بعد أن نموت). سافرت إلى نيالا، وبعد شهر رحل عثمان الشفيع، وشيعته الجماهير في (موكب الذكريات) المهيب، إلى مدافن (أحمد شرفي) التي ضمت قبله وبعده، عدداً من الفنانين والمشاهير، منهم، خليل فرح، إبراهيم الكاشف، أحمد الجابري، أبوعبيدة حسن، صلاح أحمد، وشقيقه عبد الرحمن أحمد، اللواء أبوقرون عبد الله أبو قرون، هاشم هريدي، المقرئ صديق أحمد حمدون، نجم الدين محمد أحمد، محمود فلاح، السر محمد عوض، عيسى السراج، علي محمود حسنين، محمود أبو العزائم، محجوب شريف، جبارة محمد النعيم، محمد أحمد عوض، محجوب عثمان، بدر التهامي، قرشي محمد حسن، خليل إسماعيل، خورشيد، أحمد زاهر، محي الدين فارس، جعفر نميري، سر الختم عثمان نصر (أبوساطور)، حسن خواض، الكحلاوي، وغيرهم.
اللهم نسألك الرحمة والعفو لعبدك، عثمان الشفيع، اللهم كن به رحيماُ، آنس وحشته، وطيب مرقده، وأجعل البركة في عقبه ياكريم.