
طه حمدتو .. الشاعر والاعلامي
طه حمدتو .. الشاعر والاعلامي
بقلم: صلاح الدين عبد الحفيظ
ولد الشاعر طه محمد حمدتو فى العام 1921م بمدينة أم درمان حي بيت المال العريق، وهو أول من خطط الميدان لمربعات سماعية في الراديو حتى يفيد متابعة مكان الكرة أثناء اللعب للمستمع، وهو (شيخ المعلقين الرياضين)، فالكل يذكرون طه حمدتو ويذكرون العصر الذهبي للكرة السودانية. كان المذيع الراحل طه حمدتو صاحب أدائية خاصة في التعليق على كرة القدم وهو من أسس وثبت نظرية الرؤية عبر الأذن.
كان طه حمدتو شاعراً غنائياً صاحب موهبة طاغية في كتابة الشعر الغنائي. وشعر الأغاني طبقة من الشعر تحتاج إلى أخيلة وصياغات ومفردات خاصة وصبغة تنغيمية عالية هي من أهم ركائز هذا الضرب من الشعر. وانفرد حمدتو بالملكية الفكرية في تقسيم ملعب كرة القدم إلى مربعات حتى يقترب مستمع الاذاعة من مجريات الملعب، ومن المعلوم أن الكرة لا تستقر على حال بين أقدام اللاعبين. كما قال عنها الشاعر العراقي (معروف الرصافي):
وقفوا لها متشمّرين فألقيت
فتعاورتها منهم الاقدامُ
وبرفس أرجلهم تُساق وضربها
بالكف عند اللاعبين حرامُ
ولقد تحلّق في الرؤوس وان هوَت
شرعوا الرؤوس فناطحتها الهامُ
لا تستقر بحالة فكأنها
أملٌ به تتقاذف الأوهام
بإبتكار طه حمدتو في تقسيم الملعب وهو من ابداعات التقنية الاذاعية أو فن الرؤية عبر الأذن كما قال البروفسور صلاح الدين الفاضل
وبذلك تكون فكرته أول تطبيق سوداني لنظريات وسائط الميديا الحديثة الخاصة بالواقع الافتراضي (الفيرشوال).
أما طريقة طه حمدتو في التعليق الرياضي فتكاد تشكّل مدرسة ذات قواعد ومناهج وأساليب، فهو يملأ الفراغات بالمعلومات التي تتصل بالمباراة وظروفها وحصيلتها قياساً بترتيب التنافس وذكر الغائبين والحضور والطقس الذي تجري فيه، وحال الملعب والمدرجات والمناخ النفسي الذي يكتنفها. مع (خفة دم) عالية في وصف الانتصارات والهزائم والنجاحات والاخفاقات والحماسة المتصاعدة عند احراز الأهداف أو الاخفاق في تحقيقها. وخفة الدم وسرعة البديهة والصوت الرخيم الذي يُشعرك بوجوده حتى في فترات الصمت هي من مطلوبات التعليق الرياضي بسبب طبيعة هذه اللعبة ومفاجآتها ومزاج جمهورها. وخفة الدم و(ثقله) من الهبات الربانية ودونك ما تسمع وترى من بعض العاملين في هذا الكار حالياً.
تبرز شاعرية طه حمدتو الغنائية في قصائده قليلة العدد. فقد كان مُبدعاً في أغنيته التي كتبها لأحمد المصطفى:
الوسيم القلبي رادو
الجمال حاز انفرادو
مالو لو مرّة افتكرني
مالو لو أنجز ميعادو
ليه نساني .. أو تناسى
لا هو جامل لا هو آسى
وقلبي بي التعذيب أبادو
منّي شالو وما أعادو
شفتو كان في توب حدادو
وكل حواسي عليهو نادو
استجاب لي نداي وجاوب
كان عواطف وكان تجاوب
رغم قربو واشتياقي
طرفي متزايد سهادو
وجسمي جافا الرقاد مهادو
إيه يكون في نظري زادو
غير خصالو واعتدادو
مهما يجفو في قربو أطمع
ما بطيق لي غيرو أسمع
أسألوهو إذا تبسّم
واتركوهو إذا تألّم
واجبي حتّم أصون ودادو
مهما زاد صدّوا وعنادو
وغنى له ابراهيم الكاشف:
سالب فؤادي
وما عليك
وأنا في جحيم
مشتاق إليك
يا من أحبك واصطفيك
أنا لي روح مفتونة بيك
حلم الربيع في منظرك
يسحر لكل من ينظرك
يا أسمى غايات الوجود
كل الخلوق تتشابى ليك
كل الجمال وهبوه ليك
وجعلوا السحر في مقلتيك
خفة ورشاقة وطيب خصال
يا من بحبك اكتفيت
مفتون هواك
يا الجرحوني سهام عينيك
اتمنى أمثل بين يديك
و تسألني عن اعجابي بيك
تلقاني مخلص في هواك
لم أوهب الحب لسواك
يا نور حياتي ودنيتي
ظلموني بي القالوه ليك
وفي (حبيب الروح انت لي كل شيء) يغني حسن عطية:
يا ريتو هواك ما بقى لي
فضحوه عيوني وقلبي
وحكوا لي الناس عن حبي
وعيوني بكت .. بدموعا شكت
وقلبي المسكين راح ما عاد لي
خايف يجي يوم تتنكر لي
تنساني تنسي هواي
وتكون مشغول بي سواي
وتسيبني تروح يا حبيب الروح
ما كان دا يكون .. لو جُدت علي
عليّ يا حبيب عمري
أما (حبي القديم يا كنار) فيصدح فيها الكاشف في لحن عجيب:
حبي القديم يا كنار .. داريتو في الاعماق
وطويت هواي على نار
وصبرت صبر أيوب .. وعساي قلبي يتوب
لكنو كان مكتوب .. ما لي فيهو نصيب
يا قبلة الأنظار .. ضاع في الخيال مسعاي
واصبح أمل منهار
ما حيلة الانسان .. ان جار عليهو زمان
ونصيبو كان حرمان .. من طيبك الفياح
يا نفحة الأزهار
غير يرضى بالمحتوم ويساير الاقدار..؟!
لا تفتكر انساك .. رغم الحصل يا ملاك
انا محتفظ بي ولاك
حبك ملك قلبي .. وتخذتو ليا شعار
حفظ الوداد يا جميل
من شيمة الاحرار
يوم قسمو الأرزاق
لي معشر العشاق
انا كان نصيبي فراق
وانت العفاف زانك
عفة وجلال ووقار
وانا ياحبيب الروح
حرقت فؤادي النار
النار النار
توفي العملاق حمدتو في العام 1985م.