أحمد المصطفى .. عميد الفن السوداني

بمناسبة الذكرى ال 26 لرحيله

أحمد المصطفى .. عميد الفن السوداني

بقلم: أمير أحمد حمد

أحمد المصطفى محمد بركات، اسم شغل الناس زمانا، وسما في نفوس الناس مكانا. وهبه الله الرزانة، رزين في كلامه، طروب في غنائه، حصيف في قيادته لزملائه كنقيب لهم لمدة لاتقل عن ربع قرن من الزمان، فعل فيها ما فعل. بنى دارهم وتوسط بينهم مرشدا لهم موجها لمخطئهم، مثنيا على محسنهم. كان مخلصا ووفيا لهم، فقد كانت نظرة عميد الفن السوداني الأول الحاج محمد أحمد سرور صائبة حينما أطلق عليه لقب عميد الفن السوداني، فهو عميد الفن السوداني الثاني، فكان حقا عميدا له. كان مهندما حسن المنظر، حلو المعشر لا يرتدي من الملابس إلا ما كان كاملا، إن كان ملبسه أفرنجيا أو كان قوميا. استطاع أن يغير نظرة المجتمع نحو الفنان بعد أن كان صائعا صعلوكا بسلوكه وما تناوله من مفردات أصبح أستاذا. وهذه تؤكد صدق عمادته للفن.

 

نشأ أحمد المصطفى في بيئة مليئة بالتصوف وحلقات الذكر والمدائح وما بها من ايقاعات مختلفة وقرت في أذنه ونقرت على جوانحه. ومن ثم تسرب إليه وميض أو شعاع حب الفن، فنما وازدهر في دواخله. لم يتلق تعليما منتظما، ولكن شاءت الأقدار أن يكون تحت رعاية وتربية ذلك المحسن حياه الغمام السيد عبد المنعم محمد رجل البر والإحسان، الذي ذهبت به أسرته إليه فاتخذه ابنا له. وفي خلال هذه الفترة كان يطلع على الصحف والمجلات المصرية التي كانت تأتي بانتظام بمنزل عبد المنعم محمد، فاتسعت ثقافته واطلاعه على الفن الشرقي، خاصة المصري.
عمل في شركة عبد المنعم محمد وأكتسب خبرة جعلته رجل أعمال ناجح،
وفي فترة عمله بالشركة إلتقى بمحاسب الشركة شخص يدعى كمال متى الشهير (بمشمش). كان رجلا مهتما بالفن، فتعلم على يديه العزف على العود على الموسيقى الشرقية، ولكن حبه لنغم الموسيقى السودانية جعله لا يحيد عنها، فكان بارعا في عزفه للعود، وله طريقته التي تميزه عن رصفائه الفنانين.
ويعتبر أحمد المصطفى من أوائل الفنانين السودانيين الذين غنوا في أستديوهات الإذاعة البريطانية، ويعتبر من مؤسسي نهضة الغناء السوداني الحديث في فترة ما بعد افتتاح الإذاعة السودانية عام ١٩٤٠م، وقد شارك مع زميليه الحاج محمد أحمد سرور وحسن عطية في الترفيه عن الجنود السودانيين في شمال أفريقيا إبان الحرب العالمية الثانية.
كانت بدايته مع خاله الشاعر أحمد محمد الشيخ الجاغريو، فغنى من كلماته ما لا يقل عن ثماني أغنيات أولها أغنية بهواكم إبتلينا، وهي أول أغنية يمتلكها ويلحنها أحمد المصطفى:

بهواكم ابتلينا
يالنفور حن علينا
ليلة لقاه مروح
بيه الفؤاد مجروح
وضح لي ياعصفور
كيفن وداع الروح
نافر ضربت خلاك
يتحفظك مولاك
أنا ما بطيق بعدك

 

كما أرتبط أيضا بالشاعر حسن عوض أبو العلا وكانت أغنياته فتحا كبيرا لأحمد المصطفى، خاصة الأغنيات التي تحكي عن مأساته التي حدثت في مقتبل عمره، فكتب تلك الأغنية الحزينة:

 

بطرى اللي آمال وغاية
وما بتحمي المقدور وقاية
يسلم ناجي من الرماح فيك يا مصر أسباب أذايا وفي السودان همي وعزاي
صابر ولم أعلم جزاي
والتأويه أصبح جزاي
صرت مسلم لي رداي
زي طاير مكسور جناحو دهري إن صابني بكل خفايا
وحطم وعكر لي صفاي
برضي على حبي ووفايا
وأعلم في وجودك شفاي
شي من لاشي بس كفاية
علو بمسك أجد نصاح

 

ثم توالت عدد من الأغنيات من نظمه فأبدع أحمد المصطفى في تلحينها ورسخت في قلوب معجبيه. وحقيقة الأمر غنى أحمد المصطفى لعدد كبير من الشعراء تجاوز عددهم الثلاثين شاعرا منهم الجاغريو وأغنياته هي: حبيبي أنا فرحان، يا رائع، طار قلبي، حاولت أنساك، يا هواي، السادة الميني، صادفني الحبيب، سميري.
وللشاعر حسن عوض أبو العلا غنى: يا ناري قيدي، سفري، ما تبين يا انت، بل شوقي، القربو يحنن، رحماك يا ملاك، حبيب ملكت فوادي، حبيب الروح، بحبك زي عيوني، حرام يا زازا، غرام قلبين.
وغنى للشاعر عبد المنعم عبدالحي: يا حياتي، فارق لا تلم، يا ناسينا، فتنتي، أنا أمدرمان.
وغنى للشاعر صلاح أحمد محمد صالح: نحن في السودان، الليلة ما جاني، أهواك، أشكي وأبكي لمين.
وللشاعر مهدي الأمين: في سكون الليل وبعض الأغنيات الأخري التي لم تنل حظها من الانتشار. وغنى للشاعر السر دوليب
الأم، وهي أول أغنية للأم، احتار خيالي، يا حبيب هون.
وللشاعر حسين عثمان منصور: أيام زمان، بتروح ما بترجع، انت الجندي. وغنى للشاعر علي حامد البدوي: عشت يا سودان، فجر. وللشاعر مبارك عبدالوهاب: حياتي، ظالمني. وللشاعر إسماعيل حسن: يا ظبية، ليالي الريد. وللشاعر كمال محيسي: نور في نار. كما غني من كلمات كل من الصاغ محمود أبوبكر زاهى فى خدرو. وأبوبكر فريد أبكي، والزين عباس عمارة في الخيال مرة، وحسين بازرعة قلبي بادلني هواه، وعوض الكريم القرشي يلاك يا عصفور، والنعمان على الله انت مالك ومالي، وأبو أمنة حامد غريب، وإيليا ابو ماضي وطن النجوم، وعبد الماجد أبوحسبو يوم حبي، وبشير عبد الرحمن بنت النيل، وأحمد رامي راحل مقيم، طه حمدتو الوسيم، حسبو سليمان السوسن البراق،
خالد عبد الرحمن أبو الروس ما أحلى ساعات اللقاء، أحمد ابراهيم الطاش يا عظيم. وقد بلغ عدد أغنياته المسجلة بالإذاعة ٧١ أغنية.
وفي عام ١٩٨٥م أصيب أحمد المصطفى بجلطة أثرت في نطقه وعطلت بعضا من حركته فذهب إلى لندن للاستشفاء وتحسنت صحته قليلا.
وفي مطلع أكتوبر من عام ١٩٩٩م أصيب بداء الملاريا وفي نهاية نفس الشهر ٣٠ أكتوبر ١٩٩٩م انتقل إلى الرفيق الأعلى بعد مسيرة حافلة بالعطاء والنقاء. له الرحمة والمغفرة.