اصطفاف تاريخي .. القوات المسلحة والشعب يرفضان مليشيا الفوضى

اصطفاف تاريخي .. القوات المسلحة والشعب يرفضان مليشيا الفوضى

تقرير: مجدي العجب

في لحظة فارقة من تاريخ السودان، انفجر الغضب الشعبي في وجه مليشيا الدعم السريع المعروفة بـ«الجنجويد»، بعد أن تجاوزت جرائمها كل الخطوط الحمراء، وبلغت مستوى غير مسبوق من الانتهاكات بحق المدنيين العزّل. وخرج السودانيون في مشهد جماهيري واسع، معلنين اصطفافهم الواضح خلف القوات المسلحة السودانية، باعتبارها خط الدفاع الأخير عن الدولة، في مواجهة مليشيا متمردة ارتبط اسمها بالقتل والنهب والاغتصاب والتطهير العرقي وتدمير القرى والمدن. هذا الحراك الشعبي لم يكن مجرد تعبير عن موقف سياسي، بل صرخة جماعية ضد مشروع فوضوي دموي غذّته أطراف خارجية، تتقدمها دولة الإمارات، التي وُجّهت إليها اتهامات متكررة بدعم المليشيا بالسلاح والمال وتوفير الغطاء السياسي والإعلامي، في محاولة لفرض واقع بالقوة على حساب دماء السودانيين وسيادة دولتهم.

 

 

ومع اتساع رقعة الجرائم التي ارتكبتها مليشيا الجنجويد، من الاستهداف المباشر للمدنيين والبنية التحتية إلى التهجير القسري والانتهاكات التي ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية، بدا واضحًا أن الصراع تجاوز كونه مواجهة عسكرية، ليصبح معركة وجود للدولة السودانية نفسها، بين مشروع وطني يسعى لحماية البلاد، ومليشيا عابرة للولاءات لا تعترف بالقانون ولا بالإنسان.

 

شهادات وتحليل

ويقول الأكاديمي والمحلل السياسي الدكتور محيي الدين محمد محيي الدين إن خروج الشعب السوداني أمس الأول يُعد شاهدًا قويًا على إدراكه لحجم التآمر الذي يُحاك ضد بلاده. وأضاف، في حديث خصّ به «ألوان»، أن الإمارات، كعادتها، حاولت كسر هذا الزخم الشعبي عبر استنفار عملائها وتنظيم حملة مضادة، غير أن أهدافها سرعان ما تكشفت، ليتم اكتساحها أمام المدّ الجماهيري الواسع. وأضاف محيي الدين أن مجموعة «صمود» ظلت، منذ اندلاع الحرب في البلاد، تحاول لعب أدوار سياسية تخدم مشروع المليشيا، في وقت ظل فيه الشعب السوداني يخرج بصورة عفوية ومستمرة رفضًا لمليشيا الدعم السريع المتمردة، ومساندةً لقواته المسلحة من أجل الحفاظ على الدولة السودانية.

الشعب يلقف ما صنعوا

من جانبه، يرى الصحافي والمحلل السياسي عبد العظيم صالح أن الشعب السوداني لم يكن يومًا مغيّبًا، بل ظل متابعًا لتطورات الحرب منذ بدايتها، ومدركًا لحجم التدخل الخارجي في الشأن السوداني. وقال، في حديثه لـ«ألوان»، إن مشروع المؤامرة على السودان، الذي تقوده الإمارات، يعتمد على توظيف قوى سياسية داخلية انتهجت العمالة، إلى جانب بندقية الدعم السريع المأجورة. وأضاف صالح أن الشعب السوداني أثبت أنه أذكى من بعض نخبه السياسية التي اختارت الاصطفاف خلف المشروع الخارجي، مشيرًا إلى أن خروجه الواسع ومساندته للقوات المسلحة في مواجهة هذا المشروع أمر طبيعي، دفاعًا عن كرامته وحمايةً لدولته وسيادته.

السودان وصمود شعبه

وقال مراقبون إن ما شهده السودان مؤخرًا من حراك شعبي واسع ضد مليشيا الدعم السريع لم يكن مجرد حدث عابر، بل لحظة فاصلة في تاريخ البلاد، تعكس وعي الشعب السوداني وإدراكه العميق لما يُحاك ضد دولته وسيادته. لقد أثبت السودانيون، عبر خروجهم الجماهيري وصمودهم، أن الدولة ليست مجرد مؤسسات أو حدود جغرافية، بل هي قيم ومبادئ تتجسد في كرامة شعبها وتمسكه بحق الحياة الكريمة. كما أظهرت الأحداث بوضوح أن المشروع المتمرد الذي تمثله مليشيا الجنجويد ليس محليًا فحسب، بل مدعوم من أطراف خارجية تحاول استثمار الضعف السياسي والفوضى لتحقيق مصالحها، على حساب دماء المدنيين وسلامة الوطن. ومع ذلك، فإن الرد الشعبي والاصطفاف الواضح خلف القوات المسلحة السودانية يؤكد أن محاولات الخارج لفرض واقع بالقوة قد فشلت أمام إرادة شعبية حرة وواعية. وأضاف المراقبون إن هذه اللحظة ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل هي معركة وجودية تعكس صراعًا بين مشروع وطني يسعى لحماية الدولة ومؤسساتها، ومشروع فوضوي يسعى لتدميرها. والشعب السوداني، بوعيه وشجاعته، يثبت يوميًا أنه صمام الأمان الحقيقي للوطن، وأن أي تهديد يواجه الدولة لن يصمد أمام صلابة إرادته وتماسكه مع قواته المسلحة.
في النهاية، يبقى السودان رمزًا للصمود، والشعب السوداني دليلًا على أن الحرية والسيادة لا تُمنح، بل تُستعاد وتُصان، وأن التاريخ لن ينسى تلك اللحظات التي انتفض فيها الشعب دفاعًا عن وطنه، متحديًا كل المخاطر والتحديات، ليكتب بذلك فصلًا جديدًا في سجل الدفاع عن الكرامة الوطنية والاستقلال السيادي.