
واشنطن .. حراك مستمر لإحلال السلام في السودان
واشنطن .. حراك مستمر لإحلال السلام في السودان
تقرير: الهضيبي يس
عاد ملف السلام في السودان إلى واجهة الاهتمام الدولي مجددًا، عقب مؤشرات واضحة على انخراط مباشر من الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس دونالد ترامب، وبمبادرة فاعلة من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، في محاولة لكبح جماح الحرب الممتدة منذ ما يقارب ثلاثة أعوام، والتي أفرزت واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في العالم. وفي هذا السياق، أعلن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أن الهدف العاجل لواشنطن يتمثل في التوصل إلى وقف للأعمال العدائية مع بداية العام الجديد، بما يفتح المجال أمام المنظمات الإنسانية لإيصال المساعدات لملايين المتضررين. وأشار روبيو، خلال مؤتمر صحفي، إلى أن أطرافًا إقليمية لا تزال تمد أطراف الصراع بالسلاح والمعدات العسكرية، بما في ذلك عمليات نقل تتم عبر دول ثالثة، لافتًا بصورة خاصة إلى ما تتلقاه قوات الدعم السريع من دعم عسكري. وأكد أن الإدارة الأمريكية أجرت اتصالات مباشرة مع كل من الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية ومصر، في إطار تنسيق إقليمي يهدف إلى احتواء التصعيد ودعم مسار الحل السياسي، مشددًا على التزام واشنطن بدعم أي جهد دولي يقود إلى سلام دائم ويخفف من معاناة الشعب السوداني.
وتأتي هذه التصريحات متزامنة مع مبادرة يقودها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، التي أعادت إحياء ملف السودان على مستوى القيادات الدولية، مستندة إلى تجربة المملكة السابقة في رعاية محادثات جدة، وإلى علاقاتها المتوازنة مع الأطراف الإقليمية والدولية المؤثرة. ويرى مراقبون أن دخول الرياض مجددًا بثقلها السياسي والدبلوماسي، وبتنسيق مباشر مع واشنطن، يعكس إدراكًا متزايدًا بخطورة استمرار الحرب على أمن المنطقة واستقرار البحر الأحمر، فضلًا عن التداعيات الإنسانية والأمنية العابرة للحدود. وتعهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإعطاء ملف السودان أولوية خاصة مع مطلع العام 2026، ضمن رؤية أوسع لإعادة ترتيب ملفات النزاعات في أفريقيا والشرق الأوسط، وهو ما اعتبره خبراء تحولًا نوعيًا في مقاربة واشنطن للأزمة السودانية بعد فترة من الفتور والتردد. وتتولى الإدارة الأمريكية، وفق مصادر دبلوماسية، مبادرة تجمع عددًا من دول الشرق الأوسط وأفريقيا، ضمن مسار سياسي – أمني بدأ قبل نحو ستة أشهر، في محاولة لوضع حد لحرب أودت بحياة أكثر من 150 ألف مدني، وأدخلت البلاد في نفق إنساني مظلم.
وفي هذا الإطار، رحّب الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، وكذلك الدكتور كامل إدريس، بالتحركات الإقليمية والدولية الجديدة، معتبرين أن أي جهد صادق لوقف الحرب ودعم الدولة السودانية واستعادة الاستقرار هو محل تقدير، شريطة احترام سيادة السودان وعدم مكافأة التمرد أو شرعنة العنف.
ويرى الكاتب والمحلل السياسي علي داود أن التحركات الأمريكية المرتقبة ستتجه نحو ممارسة مزيد من الضغوط على الجيش السوداني للقبول بخارطة الطريق التي طرحتها مجموعة الرباعية، مع التركيز على إعادة فتح المسار السياسي والعودة إلى ما قبل إجراءات أكتوبر 2021. ويضيف داود أن واشنطن، في المقابل، تسعى إلى حماية مصالح حلفائها في المنطقة، لا سيما مصر والسعودية، ومنع تمدد الصراع السوداني إقليميًا، وهو ما قد يدفع باتجاه التوصل إلى اتفاق مؤقت لوقف إطلاق النار، حتى وإن كان لعام واحد على الأقل، وهي صيغة تدرسها الحكومة السودانية حاليًا، وفق شروط محددة.
وحول موقف القوات المسلحة السودانية، يشير داود إلى أن زيارات رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان لكل من مصر والمملكة العربية السعودية عكست وضوح الرؤية الرسمية، مؤكدًا أن أي اتفاق مع قوات الدعم السريع يظل مشروطًا بخروجها من المدن، ووضع السلاح، والتجمع في مواقع متفق عليها، وهو ما نصت عليه اتفاقية جدة الموقعة في مايو 2023.
ويرى خبراء أن تلاقي الإرادة الأمريكية مع الثقل السعودي قد يشكل نافذة نادرة لإيقاف الحرب، إذا ما اقترنت الضغوط الدولية بإجماع إقليمي واضح، واستجابت لها الأطراف السودانية بروح وطنية تضع مصلحة الشعب فوق الحسابات السياسية والعسكرية الضيقة. غير أن نجاح هذا المسار يظل مرهونًا بقدرة المجتمع الدولي على الانتقال من مرحلة التصريحات إلى آليات تنفيذ حقيقية، تعالج جذور الأزمة، وتعيد بناء الدولة السودانية على أسس سياسية وأمنية مستدامة.