
مبادرة حكومة السودان للسلام .. ترحيب دولي وإقليمي
مبادرة حكومة السودان للسلام .. ترحيب دولي وإقليمي
تقرير: الهضيبي يس
أعلن رئيس مجلس الوزراء الدكتور كامل إدريس، أمام مجلس الأمن الدولي، مبادرة حكومة السودان للسلام، واضعًا المجتمع الدولي أمام مسؤولية مباشرة تجاه حرب مدمرة تجاوزت حدود السودان وامتدت آثارها إلى الإقليم والقرن الأفريقي. المبادرة، التي قدمت بوصفها “سودانية خالصة”، جاءت في سياق أزمة وجودية تهدد الدولة والمجتمع، وتسعى إلى إنهاء دائرة العنف واستعادة سلطة الدولة وحماية المدنيين. وأكد إدريس في خطابه أن السودان يواجه أزمة وجودية غير مسبوقة نتيجة للحرب التي تشنها المليشيا المتمردة، في انتهاك صارخ لكافة القوانين والأعراف الدولية. وأوضح أن الحرب أدت إلى كارثة إنسانية واسعة النطاق، تمثلت في تدمير المدن، وتشريد الملايين، وتمزيق النسيج الاجتماعي، وزعزعة الاستقرار الإقليمي والدولي، الأمر الذي فرض على الحكومة تقديم مبادرة سلام شاملة تعكس رؤية حكومة الأمل المدنية الانتقالية. وشدد رئيس الوزراء على أن المبادرة لم تنطلق من وهم النصر، بل من الشعور بالمسؤولية الوطنية، وأنها ليست مفروضة من أي جهة خارجية، بل صُنعت بأيدٍ سودانية، وتتكامل مع المبادرة الأمريكية – السعودية وخارطة الطريق المودعة لدى مجلس الأمن.
وقدمت مبادرة حكومة السودان إطارًا واقعيًا وقابلًا للتنفيذ، يقوم على مبدأ شامل مفاده أنه “لا سلام دون مساءلة، ولا استقرار دون سلطة وطنية واحدة، ولا مستقبل دون تعافٍ شامل”. وتبدأ المبادرة بإعلان وقف شامل لإطلاق النار، تحت رقابة مشتركة من الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية، على أن يتزامن ذلك مع انسحاب المليشيا من كافة المناطق التي تحتلها، وفقًا لإعلان جدة الموقع في مايو 2023. كما تنص المبادرة على تجميع مقاتلي المليشيا في معسكرات متفق عليها، تحت إشراف دولي وإقليمي، يلي ذلك تنفيذ عملية نزع شامل للسلاح بمراقبة دولية صارمة، مع ضمانات تمنع إعادة تدوير الأسلحة.
وتولي المبادرة اهتمامًا خاصًا بالنازحين واللاجئين، عبر تسهيل وتأمين العودة الطوعية إلى مناطقهم الأصلية، وضمان انسياب المساعدات الإنسانية إلى جميع المناطق المتأثرة بالحرب دون تمييز. ويرى خبراء إنسانيون أن هذا المسار يمثل اختبارًا حقيقيًا لجدية المجتمع الدولي في الانتقال من الاستجابة الطارئة إلى معالجة جذور الأزمة الإنسانية.
وطرحت الحكومة السودانية حزمة متكاملة من تدابير بناء الثقة تشمل الجوانب السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية. وأكدت الحكومة التزامها بمساءلة مرتكبي الجرائم الجسيمة وفق آليات العدالة الانتقالية، مع التمييز بين المتورطين في جرائم حرب وإبادة جماعية، وغير المتورطين.
أمنيًا. وتتضمن المبادرة دمج المستوفين للمعايير في القوات النظامية، وتنفيذ برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج (DDR)، بدعم دولي وإقليمي. وتشمل المبادرة جبر الضرر، ودعم المشاريع التنموية في دارفور وكردفان والولايات المتأثرة، وإنشاء صناديق تمويل أصغر لتحسين سبل العيش. أما اجتماعيًا، فتركز على المصالحة المجتمعية، ورتق النسيج الاجتماعي، وإشراك المجتمعات المحلية في بناء السلام.
وتتوّج المبادرة بالعودة إلى العملية السياسية عبر حوار سوداني – سوداني شامل خلال الفترة الانتقالية، تتفق فيه القوى السياسية على كيفية إدارة الدولة، يعقبه تنظيم انتخابات حرة ونزيهة تحت رقابة دولية، لاستكمال استحقاقات التحول الديمقراطي.
وحظيت مبادرة حكومة السودان للسلام ترحيبًا من عدد من أعضاء مجلس الأمن. فقد أشاد مندوب الجزائر، ممثل الدول الأفريقية، بجهود الحكومة السودانية في دعم السلام والاستقرار، واستدامة التنسيق لإيصال المساعدات الإنسانية إلى المتضررين، مؤكدًا رفض بلاده القاطع لأي سلطة موازية في السودان. وشدد على أن الجرائم التي ارتكبتها المليشيا يجب ألا تمر دون عقاب، داعيًا إلى استخدام أدوات مجلس الأمن من جزاءات وتحقيقات ومحاكمات لمحاسبة الممولين والميسرين لتلك الجرائم.
من جهته، شدد ممثل الصين على دعم بلاده لوحدة السودان وسلامة أراضيه، ومساندة جهود الحكومة في تنفيذ خارطة الطريق وإيصال المساعدات الإنسانية لتلبية الاحتياجات الأساسية للمواطنين. كما أكد ممثل اليونان موقف بلاده الداعم لوحدة السودان والحفاظ على سيادته.
وبرز حديث الدبلوماسي الأمريكي كاميرون هدسون بوصفه تحذيرًا مباشرًا من خطورة تدويل الحرب في السودان. فقد أكد أن الصراع لم يعد داخليًا، بل تغذيه تدخلات خارجية وشركات أسلحة تمد المليشيا بالعتاد العسكري المتطور، بما في ذلك الطائرات المسيّرة، ما أدى إلى إطالة أمد الحرب وارتفاع كلفتها الإنسانية. وأشار هدسون إلى أن هذه القدرات مكّنت المليشيا من ارتكاب جرائم حرب وتطهير عرقي، خاصة في الفاشر، فضلًا عن حصار المدن واستهداف البنية التحتية ومحطات الكهرباء، محذرًا من أن استمرار التراخي الدولي سيقود السودان نحو التفكك والانهيار، مع تداعيات خطيرة على أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي. ودعا مجلس الأمن إلى تحرك عاجل لوقف تدفق السلاح ومحاسبة الجهات الداعمة للحرب.
ويرى خبراء أن مبادرة حكومة السودان للسلام تمثل محاولة جادة لإخراج البلاد من دائرة العنف، لكنها تظل مرهونة بمدى استعداد المجتمع الدولي لدعمها سياسيًا وأمنيًا، وتجفيف منابع التسليح، ومساءلة المتورطين. وبينما تضع المبادرة خريطة طريق واضحة، يبقى التحدي الأكبر في تحويل الأقوال إلى أفعال، حتى لا يسجل التاريخ أن العالم اختار إدارة الأزمة بدل إنهائها.