
حرب السودان .. تحذيرات أممية من تمدد النيران إلى دول الإقليم
حرب السودان .. تحذيرات أممية من تمدد النيران إلى دول الإقليم
تقرير: مجدي العجب
في وقتٍ تتقاطع فيه نيران الحرب مع حسابات الإقليم، ويغدو السودان ساحةً مفتوحة لاحتمالات أكثر خطورة من مجرد صراع داخلي، أطلق مساعد الأمين العام للأمم المتحدة لشؤون الشرق الأوسط، خالد خياري، تحذيراً بالغ الدلالة أمام مجلس الأمن الدولي، كاشفاً عن ملامح مرحلة جديدة من الحرب، تتجاوز حدود الجغرافيا السودانية، وتلامس أمن واستقرار الإقليم بأسره. تحذيرٌ لا يمكن عزله عن واقعٍ دموي تعيشه البلاد منذ أكثر من عام، في مواجهة مليشيا متمردة لم تتورع عن جرّ السودان إلى حافة الفوضى الشاملة، مستخدمةً أدوات الحرب الحديثة، ومراهِنةً على تدويل الصراع وتوسيع رقعته. إحاطة خياري، التي قُدمت في جلسة خُصصت لمناقشة التدهور المتسارع للأوضاع في السودان، لم تكن مجرد قراءة أممية روتينية، بل حملت إنذاراً صريحاً من انزلاق البلاد إلى قلب صراع إقليمي، إذا لم يُكبح تمدد العنف وتُغلق بوابات التدخلات الخارجية. فقد أشار المسؤول الأممي بوضوح إلى أن استمرار هذه التطورات قد يدفع بدول الجوار إلى الانخراط، بشكل مباشر أو غير مباشر، في النزاع الدائر داخل السودان وحوله، وهو سيناريو لطالما حذرت منه القيادة السودانية، وعلى رأسها القوات المسلحة، التي تخوض معركة وجود دفاعاً عن الدولة ومؤسساتها ووحدتها الترابية.
وأخطر ما ورد في الإحاطة، تنبيهٌ إلى الاستخدام المتزايد للطائرات المسيّرة في تنفيذ غارات عشوائية، أسهمت في سقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين، وتدمير البنى التحتية، وترويع الآمنين. وهي ممارسات تكشف بجلاء طبيعة هذه الحرب غير المتكافئة، حيث تواجه القوات المسلحة السودانية، بوصفها جيشاً وطنياً نظامياً، مليشيا خارجة عن القانون، لا تعبأ بالقانون الدولي الإنساني، ولا تقيم وزناً لحياة المدنيين، وتستند في بقائها إلى دعم خارجي وتقنيات حرب حديثة تُستخدم بلا ضوابط أخلاقية أو قانونية. هذا التحذير الأممي يعيد طرح السؤال الجوهري: إلى متى يظل المجتمع الدولي يكتفي بالتحذير والإحاطة، بينما يواصل الشعب السوداني دفع فاتورة الحرب وحده؟ وإلى متى يُساوى بين الدولة ومؤسساتها الشرعية، وبين مليشيا مسلحة انقلبت على المسار الانتقالي، وارتكبت جرائم موثقة بحق المدنيين؟ في ظل هذا المشهد المعقد، تبدو معركة الجيش السوداني اليوم أبعد من كونها مواجهة عسكرية، لتغدو معركة سيادة، ومنع تفكك، وقطع الطريق أمام تحويل السودان إلى بؤرة صراع إقليمي مفتوح، يدفع ثمنه الجميع.
ولم تعد الحرب في السودان شأناً داخلياً يمكن قراءته بمعزل عن خرائط الإقليم وشبكات المصالح العابرة للحدود. فما يجري على الأرض اليوم هو نتاج مشروع إقليمي مكتمل الأركان، تتقاطع فيه أدوار دول وجماعات ومرتزقة، التقت جميعها عند هدف واحد: إضعاف الدولة السودانية، وكسر شوكة جيشها الوطني، وتمكين مليشيا متمردة من السيطرة على القرار بقوة السلاح. مشروع لا يُدار من داخل السودان وحده، بل تُحرك خيوطه عواصم وحدود ومعابر، تمتد من الصحراء الليبية غرباً، حتى القرن الأفريقي شرقاً، ومن عمق الساحل الأفريقي جنوباً، إلى شبكات الشتات العربي التي وفّرت المال والدعاية والتبرير السياسي.
من ليبيا حفتر، حيث تحولت الحدود المفتوحة إلى ممر للعتاد والمرتزقة، مروراً بتشاد وأفريقيا الوسطى، اللتين شكّلتا عمقاً لوجستياً آمناً لتحركات المليشيا، ووصولاً إلى جنوب السودان، الذي أُسيء استخدام أراضيه في الإمداد والتنسيق، تتضح ملامح تدخل إقليمي فاضح في حربٍ تستهدف السودان دولةً وجيشاً وشعباً. أما إثيوبيا وكينيا ويوغندا، فقد لعبت – بدرجات متفاوتة – أدواراً سياسية وأمنية رمادية، وفّرت غطاءً دبلوماسياً أو منصات تواصل وتحرك، أسهمت في إطالة أمد الحرب، بدلاً من دعم الشرعية وحماية الاستقرار الإقليمي.
وفي قلب هذا المشهد، برز دور مرتزقة النيجر ودول الساحل، الذين استُجلبوا كوقود رخيص لحرب قذرة، لا تعترف بالحدود ولا بالقانون الدولي الإنساني، بينما انخرط بعض ما يُعرف بـ«عرب الشتات» في تمويل وتلميع المليشيا إعلامياً، وترويج سرديات مضللة في العواصم الغربية، في محاولة يائسة لشرعنة التمرد، ومساواة الجيش الوطني، صاحب العقيدة والانضباط، بعصابات مسلحة لا تؤمن إلا بمنطق الغنيمة.
إن هذه الحرب، بكل ما تحمله من دم ودمار، تكشف أن السودان لا يواجه مليشيا فحسب، بل يواجه شبكة إقليمية معقدة، ترى في استقرار البلاد تهديداً لمصالحها، وفي انتصار القوات المسلحة نهايةً لمشروع الفوضى. ومن هنا، تصبح معركة الجيش السوداني اليوم معركة دفاع عن السيادة، وردع التدخلات الخارجية، وإعادة رسم حدود واضحة بين الدولة واللا دولة، وبين من يحمل السلاح دفاعاً عن الوطن، ومن يحمله بالوكالة عن الآخرين.
ويقول الأكاديمي والمحلل السياسي دكتور الرشيد محمد إبراهيم: ما يجري في السودان لم يعد صراعاً داخلياً بالمعنى التقليدي، بل حرب سيادة مكتملة الأركان، تُدار بأدوات إقليمية ومرتزقة عابري حدود، وتستهدف تفكيك الدولة وإضعاف جيشها الوطني. واضاف في حديث لالوان القوات المسلحة السودانية تخوض اليوم معركة دفاع مشروع عن وحدة البلاد ومؤسساتها، في مواجهة مليشيا لا تمتلك مشروع دولة ولا احتراماً للقانون أو للمدنيين. أي حديث عن تسوية تتجاوز حقيقة التمرد وداعميه الخارجيين هو تضليل متعمد. وزاد في قوله لنا المطلوب سياسياً هو دعم الجيش حتى استكمال بسط هيبة الدولة، وتجفيف منابع الدعم الخارجي للمليشيا، ثم الانطلاق نحو مسار سياسي سوداني خالص، لا وصاية فيه ولا إملاءات، يؤسس لسلام حقيقي قائم على الدولة لا على المليشيات.
ويرى الأكاديمي والمحلل السياسي دكتور حسن الشايب هذه الحرب ليست نزاعاً على سلطة، بل معركة فاصلة بين الدولة واللا دولة. الجيش السوداني اليوم يقاتل نيابة عن الأمة كلها، في مواجهة مليشيا متمردة جُردت من أي غطاء وطني، وتحولت إلى أداة لمشروع إقليمي قذر يسعى لتمزيق السودان ووزاد في حديث خص به ألوان:وإبقائه ساحة مفتوحة للنهب والفوضى. المساواة بين القوات المسلحة، باعتبارها مؤسسة سيادية، وبين مليشيا مرتزقة، جريمة سياسية وأخلاقية. لا سلام مع السلاح المنفلت، ولا سياسة قبل الحسم. دعم الجيش ليس موقفاً عاطفياً، بل خيار وطني عقلاني لحماية السيادة، واستعادة الدولة، وقطع الطريق أمام الوصاية الأجنبية مهما تلونت شعاراتها.