
مبادرة السلام .. العالم يتضامن لإنهاء حرب السودان
مبادرة السلام .. العالم يتضامن لإنهاء حرب السودان
تقرير: الهضيبي يس
أعرب الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط عن ترحيبه الكبير بالكلمة التي ألقاها رئيس وزراء حكومة السودان الانتقالية د. كامل إدريس أمام مجلس الأمن الدولي، وما تضمنته من مبادرة متكاملة للسلام تعكس حرصًا واضحًا على وقف الحرب، والتخفيف من المعاناة الإنسانية، بما يصون وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه. وأكد المستشار جمال رشدي، المتحدث باسم الأمين العام، أن الجامعة العربية تُثمّن ما ورد في المبادرة من رسائل سياسية وإنسانية وأمنية بالغة الأهمية، وترى فيها إطارًا جادًا وقابلًا للبناء عليه، يستدعي التعاطي معها بإيجابية، باعتبارها جزءًا رئيسيًا من أي مسار شامل للحل، ومن الجهود الرامية إلى استعادة الأمن والاستقرار في السودان، بما يحول دون أي تهديد لوحدته الوطنية أو تفكك نسيجه المجتمعي. وأضاف المتحدث أن الجامعة العربية تدعم دعوة المبادرة إلى وقف شامل لإطلاق النار، وحماية المدنيين، وضمان انسياب المساعدات الإنسانية، ومعالجة أوضاع النازحين واللاجئين، ونزع السلاح، وتنفيذ برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج، بما يهيئ الأرضية اللازمة لإعادة بناء الثقة وترميم النسيج الاجتماعي، وتعزيز أسس الدولة السودانية الموحدة. كما أوضح أن جامعة الدول العربية تشدد على أهمية التفاعل مع ما تضمنته المبادرة من مقترحات لتدابير بناء ثقة سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية، تقوم على مبادئ العدالة الانتقالية، وجبر الضرر، والمصالحة الوطنية، بما يعزز فرص السلام المستدام، ويحفظ وحدة المجتمع والدولة، ويحول دون إعادة إنتاج العنف أو الانزلاق نحو مسارات التقسيم أو التفتيت.
وأعلن رشدي ترحيب الجامعة العربية بتأكيد المبادرة على الملكية الوطنية للعملية السياسية، وعلى إطلاق حوار سوداني – سوداني شامل خلال الفترة الانتقالية، يفضي إلى توافق وطني حول إدارة الدولة وحكم البلاد، في إطار السودان الواحد الموحد، ويتوج بانتخابات حرة ونزيهة بمراقبة دولية، بما يحقق تطلعات الشعب السوداني في التحول الديمقراطي والاستقرار.
وفي السياق، أكد المتحدث الرسمي تنسيق وتعاون جامعة الدول العربية مع الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي والشركاء الإقليميين والدوليين في دعم ومواكبة الجهود الرامية إلى السلام، منطلقة في ذلك من مسؤوليتها القومية، وحرصها الثابت على وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه، وصون أمنه واستقراره، بما يخدم الأمن والسلم الإقليميين والدوليين.
وكان رئيس الوزراء السوداني د. كامل إدريس قد أعلن، قبل يومين، أمام مجلس الأمن الدولي عن مبادرة لإحلال السلام في البلاد وإنهاء الحرب، وذكر أن المبادرة توفر إطارًا واقعيًا قابلًا للتنفيذ وشاملًا للجميع لحماية المدنيين، وإنهاء الفظائع، واستعادة سلطة ومسؤولية الدولة، وتفسح المجال للمصالحة الوطنية. وأشار إلى أن المبادرة تسعى لوقف إطلاق نار يمكن مراقبته، ونزع سلاح يمكن إنفاذه، وعدالة غير انتقائية، ومصالحة غير شكلية، مؤكدًا أن المبادرة تؤكد حقيقة بسيطة ودائمة، وهي أنه لا يمكن تحقيق سلام دون مساءلة، ولا يمكن أن يقوم الاستقرار دون سلطة وطنية واحدة، ولا يمكن أن يُبنى المستقبل دون تعافٍ. وقال كامل إدريس إن السودان لا يسعى للإفلات من العقاب، ولا يسعى لحرب لا نهاية لها، بل يسعى إلى سلام عادل يستند إلى القانون ويحميه المجتمع الدولي.
وأضاف أن المبادرة يمكن أن تشكل اللحظة التي يبتعد فيها السودان عن حافة الهاوية، ويمكن أن تشكل اللحظة التي يقف فيها المجتمع الدولي على الجانب الصحيح من التاريخ، ووجّه نداءً للمجتمع الدولي ممثلًا في مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة، قائلًا: «فليذكر التاريخ مجلس الأمن لا كشاهد على الانهيار، بل كشريك في التعافي».
وقطع إدريس أن السودان يواجه أزمة وجودية نتيجة للحرب الضروس التي تشنها المليشيا المتمردة، في انتهاك صريح لكافة القوانين والأعراف الدولية، ما أدى إلى كارثة إنسانية غير مسبوقة، وزعزعة الاستقرار الإقليمي والدولي، ما دعا إلى أن تقدم حكومة السودان هذه المبادرة التي تعبر عن رؤية حكومة الأمل المدنية الانتقالية لوضع حد لهذا العدوان المسلح من المليشيا وداعميها.
موضحًا أن الخطوات الأولية لمبادرة حكومة السودان التي طرحها أمام مجلس الأمن تتمثل في إعلان وقف إطلاق نار شامل برعاية دولية، على أن يتم انسحاب المليشيا من كافة المناطق المحتلة وفقًا لإعلان منبر جدة، فضلًا عن تجميع قوات المليشيا في معسكرات يتم تحديدها والتوافق عليها تحت إشراف الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي والجامعة العربية، وتسهيل وتأمين عودة النازحين واللاجئين إلى مناطقهم الأصلية، وانسياب المساعدات الإنسانية إلى كافة المناطق، إلى جانب نزع سلاح المليشيا نزعًا شاملًا بمراقبة دولية مع ضمانات بعدم تدوير الأسلحة.
ونبّه رئيس الوزراء إلى أن الحكومة السودانية ستتخذ تدابير بناء الثقة تأسيسًا على قرار مجلس الأمن الدولي رقم (2736) لضمان الاستجابة للمبادرة، مع اتخاذ جوانب سياسية واقتصادية وأمنية واجتماعية تتعلق بالملاحقة القانونية بشأن الحق العام، فضلًا عن تبني سياسات تتعلق بعدم حرمان أي سوداني من استخراج الأوراق الثبوتية، ومراجعة البلاغات الجنائية، وتوفيق أوضاع من يرغب في العودة إلى البلاد.
كما نقل شمول المبادرة ودمج الأفراد المستوفين للعودة من خلال تنفيذ برنامج نزع السلاح (DDR)، وجبر الضرر، ودعم المشاريع الاقتصادية في دارفور وكردفان والولايات المتضررة الأخرى، وإعادة الإعمار، عبر قيام مؤتمرات دولية ومحلية شاملة لترسيخ السلم المجتمعي والمصالحات، بالتعاون مع الأمم المتحدة والمانحين والدول الصديقة والشقيقة، لرتق النسيج الاجتماعي وخلق بيئة مجتمعية معافاة.
ثم انعقاد الحوار السوداني – السوداني خلال الفترة الانتقالية بين كافة القوى السياسية لحكم البلاد عبر الانتخابات، باعتبار أن المبادرة تؤكد حقيقة أنه لا استقرار دون سلطة وطنية واحدة، ولا مستقبل دون تعافٍ شامل، مشددًا على أن السودان لا يطلب التعاطف، بل الشراكة في ضمان السلام والعدالة للشعب السوداني. مؤكدًا أن المبادرة سودانية، ولم تُفرض من أي جهة، وصُنعت بأيدٍ سودانية، وليست من أجل الفوز في حرب، بل لإنهاء دائرة العنف المفرغة، مؤكدًا أن الحرب شنتها المليشيا، لافتًا إلى أن السودان اليوم أمام لحظة تاريخية يمكن من خلالها إسكات البنادق بشجاعة، بعد أن تحولت المدن إلى ركام، والأسر إلى المنافي، والأمل صار محاصرًا، في ظل انتهاك الأعراف الدولية، ما أدى إلى كارثة إنسانية غير مسبوقة زعزعت الاستقرار الإقليمي، سيما أن مبادرة السلام تعبر عن رؤية حكومة الأمل لوضع حد لعدوان المليشيا وداعميها، لحماية المدنيين، وحقنًا للدماء، وصونًا لتراب الوطن، وحفظًا للسلم والأمن الدوليين.
ويذهب الكاتب الصحفي والمحلل السياسي بكري المدني إلى أن المبادرة التي طرحها رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس على طاولة مجلس الأمن الدولي تمثل الأمل الكبير لخروج السودان من أزمته الراهنة نحو السلام والاستقرار الدائم، فقد تضمنت وقفًا لإطلاق النار، وتجميع قوات المليشيا المتمردة في معسكرات محددة، ونزع سلاح المليشيا، وإجراء ترتيبات أمنية وقانونية تحت إشراف دولي، وهو ملخص مبادرة الأمل، متسائلًا: هل بإمكان أي مبادرة أخرى، أو حتى تفاوض عبر وسطاء أو مباشر، تحقيق السلام والاستقرار في السودان؟. ويؤكد المدني أن مبادرة الأمل ليست شروط المنتصر، لكنها الحقيقة الوحيدة التي يمكن أن تحقق السلام والاستقرار في السودان، فهي تظل المخرج الصحيح للمجتمعات المحلية التي ساعدت المليشيا، والخروج ومن معهم من متوالية الموت الجارية، كما أن مبادرة وقف الحرب تمثل المخرج أيضًا لوكلاء المليشيا خارج الحدود حتى لا تتورط أكثر في مستنقع السودان، فضلًا عن كون مبادرة الأمل مخرجًا لقوى سياسية وشخصيات سودانية أخطأت الحسبة، ومن شأن الطرح الحكومي أن يعيدها إلى جادة الطريق.
ويشير الكاتب الصحفي والمحلل السياسي مكي المغربي إلى أن مبادرة رئيس الوزراء للسلام تُعد الأطروحة الثالثة لحل الأزمة السودانية؛ فالأولى كانت خارطة الطريق التي تقدمت بها الحكومة السودانية إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن والاتحاد الإفريقي والجامعة العربية قبل نحو عام، والثانية جاءت إثر التعديلات الدستورية التي قامت بها الحكومة، ونُقلت على إثرها كافة الصلاحيات لرئيس الوزراء، مما أتاح فرصة حقيقية لقيادة وإدارة عملية سياسية، والثالثة جاءت الآن والسودان يعرض على المجتمع الدولي عملية سلام دون إقصاء لأي أطراف فاعلة ومؤثرة في الساحة السياسية السودانية.
ويضيف مكي: في تقديري أن مبادرة «الأمل» ستحظى بقدر كبير من التأييد والدعم، مما يرجح نجاحها بشكل كبير، لكنها تحتاج فقط إلى الترويج والتعريف وسط الأطراف الإقليمية والدولية الفاعلة في الملف السوداني، خاصة دول الجوار التي تؤمن بضرورة استقرار هذا البلد، من منطلق المآلات والتأثيرات المتوقعة حال تمددت آثار الحرب وضربت الفوضى بأطنانها السودان.