حكومة الأمل في الخرطوم .. عودة الروح

حكومة الأمل في الخرطوم .. عودة الروح

تقرير: مجدي العجب

حين تُستعاد العواصم لا تعود مجرد جغرافيا، بل يعود معها معنى الدولة وهيبتها، وتنهض الذاكرة الوطنية من تحت ركام الحرب لتكتب فصلاً جديداً من فصول الصمود. الخرطوم، التي طالها وجع البنادق وصمت المكاتب، تتهيأ اليوم لتستعيد صوتها الرسمي، وتفتح أبواب مؤسساتها على ضوء الإرادة لا على دخان المعارك. إنها لحظة تتقاطع فيها السياسة مع التاريخ، ويصافح فيها القرار المدني تضحيات الميدان، لتعلن العاصمة – رغم الجراح – أنها ما زالت قلب السودان النابض. ولم تكن عودة الوزارات ومؤسسات الدولة إلى الخرطوم مجرد إجراء إداري أو انتقال مكاني، بل هي رسالة سيادة مكتوبة بلغة الثبات، وإعلان انتصار لفكرة الدولة على فوضى التمرد، وللشرعية على العنف الأعمى. في شوارع أنهكها القتال، وعلى مبانٍ أصابها الإهمال القسري، تعود الحركة الرسمية لتقول إن الدولة لم تغب، وإن الخرطوم لم تسقط، وإن الجيش الذي قاتل دفاعاً عن الأرض والعِرض فتح الطريق لعودة الحكم الرشيد ومؤسسات الخدمة العامة.

 

 

 

 

وتحت سماء العاصمة التي حفظت أسماء الشهداء كما تحفظ أسماء الشوارع، تبدأ الوزارات في لملمة أوراقها والعودة إلى مقارها، مدفوعةً بعزيمة سياسية وبسند أمني صنعته القوات المسلحة والقوات المساندة في حرب الكرامة. عودة تتجاوز الرمزية إلى الفعل، وتؤسس لمرحلة جديدة عنوانها الاستقرار، وإعادة الإعمار، واستعادة ثقة المواطن في دولته ومؤسساته. وفي هذا المشهد، لا يمكن فصل قرار العودة عن دماء سالت لتبقى الخرطوم سودانية، ولا عن جنود رابطوا في المتاريس ليعود الموظف إلى مكتبه، والوزير إلى وزارته، والمواطن إلى بيته. إنها عودة الروح للجسد، عودة تُكتب على إيقاع التضحية، وتُتوَّج بإرادة سياسية اختارت أن تواجه الخراب بالفعل لا بالانتظار، وأن تبدأ من العاصمة لأنها رمز الدولة وميزان حضورها. هكذا، تستقبل الخرطوم فجرها الإداري الجديد، لا كمدينة خارجة من الحرب فحسب، بل كعاصمة استعادت مكانتها، وبدأت من جديد ترميم صورتها في وجدان الوطن، مؤكدة أن الدولة حين تقرر العودة، فإنها تعود محمولة على أكتاف جيشها، ومسنودة بثقة شعبها، وماضية نحو المستقبل مهما طال ليل المحنة.

 

أوان العودة

 

وأكدت وزيرة شؤون مجلس الوزراء، الدكتورة لمياء عبدالغفار، أن الأمانة العامة لمجلس الوزراء ستباشر أعمالها من ولاية الخرطوم خلال الفترة القليلة المقبلة، وذلك إنفاذاً لموجهات الدولة القاضية بعودة الحكومة إلى العاصمة بنهاية العام الحالي. وقالت خلال لقائها والي الخرطوم، الأستاذ أحمد عثمان حمزة، بحضور عدد من المسؤولين، بمقر حكومة الولاية بالخرطوم، أن رئيس مجلس الوزراء، الدكتور كامل إدريس، سيباشر مهامه من الخرطوم في غضون الأيام المقبلة على رأس حكومة الأمل المدنية.
ووقفت لمياء ميدانياً على ترتيبات انتقال الوزارات إلى المقار التي تم تحديدها لاستئناف أعمالها مع بداية العام الجديد، مؤكدة تقديم الدعم الكامل لحكومة الولاية لاستكمال منظومة الخدمات الأساسية، بما في ذلك الكهرباء والمياه، إلى جانب تحسين كفاءة شبكة الصرف الصحي، من أجل تحقيق الاستقرار وتسريع وتيرة العودة الطوعية للمواطنين إلى الولاية. وأشادت الدكتورة لمياء بالتحسن الملحوظ في مستوى النظافة العامة وتوفر الخدمات الضرورية وتحسن الأوضاع الأمنية، مثمنةً في ذات الوقت تضحيات القوات المسلحة والقوات المشاركة في حرب الكرامة ودورها في بسط الأمن والاستقرار.

 

استعداد الولاية

 

وقدم والي الخرطوم أحمد عثمان حمزة تنويراً بمجمل الأوضاع بالولاية ومدى الاستعداد لعودة الحكومة للخرطوم، مؤكدًا استمرار العمل لمزيد من التهيئة في كافة النواحي من أجل العودة الكاملة للمواطنين والحكومة. وفي ذات السياق، أجرت وزيرة شؤون مجلس الوزراء ووالي الخرطوم جولة تفقدية شملت مطار الخرطوم، برج الاتصالات بشارع النيل، المقر المخصص لوزارة المالية، الأمانة العامة لمجلس الوزراء، كما وقفت على أعمال الصيانة ببعض الطرق والمرافق الأخرى.

 

تحول مفصلي

 

ويرى الصحفي والمحلل السياسي قرشي عوض أن عودة الوزارات ومؤسسات الدولة إلى الخرطوم تمثل تحولاً مفصلياً في مسار استعادة الدولة لهيبتها ومركز قرارها، مؤكداً أن هذه الخطوة تتجاوز البعد الإداري إلى بعد سيادي وسياسي بالغ الدلالة. ويقول عوض في حديث لألوان: إن اختيار الخرطوم للعودة ليس قراراً رمزياً فحسب، بل رسالة واضحة بأن الدولة انتصرت على مشروع الفوضى، وأن العاصمة استعادت عافيتها بفضل تماسك المؤسسة العسكرية وصمودها في حرب الكرامة. ويضيف قرشي أن ما يجري الآن هو تتويج لمرحلة صعبة دفعت فيها القوات المسلحة ثمناً باهظاً من الدماء والأرواح، لتفتح الطريق أمام عودة الحكم المدني ومؤسسات الخدمة العامة، مشيراً إلى أن استئناف العمل من الخرطوم يعزز ثقة المواطن في قدرة الدولة على إدارة شؤونها من قلب عاصمتها، لا من المنافي المؤقتة.
ويؤكد قرشي عوض أن نجاح هذه العودة مرهون باستكمال الخدمات الأساسية وبسط الأمن وتحويل القرار السياسي إلى برامج عملية تُشعر المواطن بأن الدولة عادت من أجله لا من أجل النخبة وحدها. ويختم بالقول إن عودة الحكومة إلى الخرطوم تمثل بداية جديدة لمعركة البناء، بعد أن حُسمت معركة الوجود، وأن السودان اليوم أمام فرصة تاريخية لإعادة تأسيس دولته على قاعدة القوة والانضباط والإرادة الوطنية.

 

التحدي القادم

 

ويقول الصحافي والمحلل السياسي عبدالعظيم صالح: أن عودة الوزارات ومؤسسات الدولة إلى الخرطوم تمثل إعلاناً عملياً لانتهاء مرحلة الفراغ وبدء استعادة المركز الحقيقي للقرار الوطني. ويؤكد في تصريح لألوان أن هذه الخطوة تعكس ثقة الدولة في تحسن الأوضاع الأمنية، وتثبت أن القوات المسلحة نجحت في تأمين العاصمة وتهيئة المناخ لعودة الحكم والإدارة. ويضيف عبد العظيم أن استئناف العمل من الخرطوم يحمل رسالة طمأنة للمواطنين بأن الدولة حاضرة ولن تتخلى عن مسؤولياتها، مشدداً على أن التحدي القادم هو ترجمة هذه العودة إلى خدمات ملموسة تعيد الحياة الطبيعية وتسرّع التعافي الوطني.