
البرهان من تركيا .. تشييع المليشيا ورسائل حاسمة للإقليم والعالم
البرهان من تركيا .. تشييع المليشيا ورسائل حاسمة للإقليم والعالم
تقرير: الهضيبي يس
أطلق رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، من العاصمة التركية أنقرة، حزمة رسائل سياسية وعسكرية ودبلوماسية، رسمت بوضوح ملامح موقف الدولة السودانية من الحرب الجارية، ومسارات الحل، وطبيعة علاقاتها الإقليمية والدولية خلال المرحلة المقبلة. وأكد البرهان أن زيارته إلى تركيا جاءت أفضل مما كان متوقعًا، مشيرًا إلى أن العلاقات الثنائية بين الخرطوم وأنقرة بلغت مستوى متقدمًا من التنسيق والتفاهم، مؤكدًا أن التعاون بين البلدين لم يسبق أن وصل إلى هذه الدرجة من القوة. وخلال مؤتمر صحفي، ولقاءات شملت رموز الجاليتين السودانية والتركية ومنظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام بمقر السفارة السودانية في أنقرة، قطع البرهان بعدم قبول أي هدنة أو وقف لإطلاق النار طالما ظلت مليشيا التمرد موجودة في شبر من أرض الوطن، مؤكدًا أن الحل العسكري يظل أولوية تسبق أي تسوية سياسية. وقال: «لسنا دعاة حرب، ولا ندعم استمرارها، لكننا نرفض أي سلام زائف»، موضحًا أن الحل العسكري لا يعني بالضرورة استمرار القتال، بل قد ينتهي باستسلام المليشيا وتجريدها من السلاح.
وجدد رئيس مجلس السيادة تأكيده على عدم وجود طاولة سلام واقعية يمكن أن تضم دولة الإمارات، موضحًا أن السودان قبل بشروط منبر جدة، إلا أن المليشيا المدعومة من أبوظبي – بحسب وصفه – اختارت مواصلة الحرب. وكشف أنه أجرى اتصالات مباشرة مع قيادة الإمارات قبل عام، وطالبها بوقف دعم مليشيا الدعم السريع، غير أن الوعود التي قُدمت لم تُنفذ.
وأضاف أن وفد السودان واجه الوفد الإماراتي مرة أخرى في الولايات المتحدة الأمريكية، بحضور ممثلي الآلية الرباعية، ولم يتمكن الوفد الإماراتي من الدفاع عن موقفه، بل صعّد لاحقًا ضد السودان، الأمر الذي دفع الخرطوم للمطالبة باستبعاد الإمارات من أي دور في مسار الحل.
وأكد البرهان ثقة السودان الكاملة في نوايا المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية، إضافة إلى ما وصفه بالنوايا الإيجابية من الإدارة الأمريكية، داعيًا الرئيس الأمريكي إلى النظر للأزمة السودانية من منظور سوداني، مشيرًا إلى قدرته على لعب دور محوري في إرساء السلام.
وأعلن البرهان دعم الدولة الكامل للمبادرة التي قدمها رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس إلى الأمم المتحدة، موضحًا أنها تمثل مبادرة حكومة السودان، وقد جرى التوافق حولها داخل مجلسي السيادة والوزراء، على أن تعقبها اجتماعات لمجلس الأمن والدفاع لوضع الآليات التنفيذية اللازمة وتبنيها كخريطة طريق وطنية شاملة.
وفي سياق الإقليم، حذّر البرهان من تداعيات الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «صوماليلاند»، معتبرًا أن أي دولة إقليمية تدعم هذا التوجه «سيأتي دورها لاحقًا»، داعيًا دول المنطقة إلى توحيد مواقفها. كما وجّه رسالة مباشرة لدول وصفها بالصديقة، وتعتقد أن السودان بات ضعيفًا، مؤكدًا أن البلاد أقوى مما كانت عليه، وقادرة على حماية سيادتها والدفاع عن نفسها.
وأشار رئيس مجلس السيادة إلى أن للسودان سياسة خارجية واضحة في التعامل مع دول الجوار، مؤكدًا أن الخرطوم لم تكن يومًا دولة عدوان، لكنها تحتفظ بحقها المشروع في الدفاع عن الدولة في مواجهة أي تهديد.
وفيما يتعلق بالعلاقات مع تركيا، أعلن البرهان أن العلاقة بين البلدين ستدخل مرحلة استراتيجية ممتدة، مشيدًا بالدور التركي في قضايا السلام الإقليمية، وبخبرات أنقرة في مجالات إعادة الإعمار والبنى التحتية والطاقة. وكشف عن توجيهات بتذليل العقبات البيروقراطية أمام الاستثمارات التركية، بما في ذلك رفع القيود على تأشيرات دخول رجال الأعمال الأتراك.
كما أشار إلى طلب السودان من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بحكم خبرته وعلاقاته الدولية، التدخل للمساعدة في حل الأزمة السودانية، مؤكداً أن الرئيس أردوغان رحب بهذا الطلب، وأن الخرطوم تثق في دوره.
وفي قراءة تحليلية للمشهد، رأى الكاتب الصحفي والمحلل السياسي عثمان الدنعو أن تصريحات البرهان من أنقرة تعكس ارتباطًا مباشرًا بواقع الميدان، خاصة مع التحولات النوعية في أداء الجيش السوداني خلال الفترة الماضية، لا سيما في دارفور وكردفان، حيث اعتمد الجيش استراتيجيات جديدة وأسلحة مختلفة مكّنته من توجيه ضربات مؤثرة في عمق مليشيا الدعم السريع.
وأضاف الدنعو أن الخطاب الحازم تجاه بعض دول الإقليم يعكس إدراك السودان لمحاولات استغلال أوضاعه الأمنية والاقتصادية من قبل أطراف إقليمية ودولية ذات مشاريع توسعية في شرق وغرب أفريقيا، مؤكدًا أن الخرطوم باتت أكثر وعيًا بما يُحاك ضدها.
وختم الدنعو بالإشارة إلى أن الرهان السوداني على تحركات المملكة العربية السعودية يظل كبيرًا، غير أن نجاح أي مسار سلام مرهون بتنفيذ اشتراطات الجيش الواردة في اتفاق جدة الموقع في مايو 2023، خاصة ما يتعلق بالجوانب الأمنية ونزع سلاح المليشيات.