من السودان إلى اليمن .. سقوط مؤامرات أبوظبي والمليشيات

من السودان إلى اليمن .. سقوط مؤامرات أبوظبي والمليشيات

تقرير: مجدي العجب

لم يعد الدور الإماراتي في الإقليم خافيًا على أحد. فحيثما اشتعل التمرد وتفككت الدولة، حضرت أبوظبي لاعبًا خلف الستار، تموّل وتسلّح وتدير الصراع من الظل. من عدن إلى المكلا، ومن طرابلس إلى الخرطوم، يتكرر المشهد ذاته: قوى موازية للجيوش الوطنية، ومليشيات تُقدَّم كبدائل للشرعية، ثم تُترك الأوطان على حافة الانهيار.
واليوم، ومع قرار القيادة اليمنية إلغاء اتفاقية الدفاع المشترك وطرد القوات الإماراتية خلال 24 ساعة، يتعرّى هذا الدور الإقليمي المثير للجدل، ويُعاد فتح الملف الأكبر: دعم التمرد كأداة نفوذ. وبالنسبة للسودان، لا تبدو الصورة منفصلة. فالدعم الذي حظيت به مليشيا الجنجويد في تمردها على الدولة، وما رافقه من تسليح وتمويل وتغطية سياسية، يضع الإمارات في قلب أسئلة كبرى حول إشعال الحروب بالوكالة في المنطقة. غير أن هذا الانكشاف الإقليمي، من اليمن إلى غيره، يصبّ اليوم في صالح الجيش السوداني، إذ يعزّز روايته أمام الداخل والخارج: ما يجري في السودان ليس صراعًا داخليًا معزولًا، بل جزء من نمط إقليمي لتقويض الجيوش الوطنية لصالح مليشيات بلا مشروع دولة.
في لحظة كهذه، تبدو الحقائق أوضح من أي وقت مضى: كلما سقط القناع عن رعاة التمرد، ازدادت شرعية الجيوش، وتقدّم مشروع الدولة خطوة إلى الأمام.

 

انكشاف الدور الإماراتي

وأصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، الثلاثاء، قرارًا بإلغاء اتفاقية الدفاع المشترك مع دولة الإمارات العربية المتحدة، مطالبًا جميع القوات الإماراتية ومنسوبيها بالخروج من الأراضي اليمنية خلال 24 ساعة.
جاء القرار عقب غارة جوية محدودة نفذها التحالف العربي بقيادة السعودية على شحنات أسلحة وعتاد عسكري وصلت إلى ميناء المكلا في محافظة حضرموت، قادمة من ميناء الفجيرة الإماراتي دون تصاريح رسمية. وأعلن العليمي حالة الطوارئ في عموم الجمهورية لمدة 90 يومًا قابلة للتمديد، وفرض حظرًا جويًا وبحريًا وبريًا شاملًا على المنافذ لمدة 72 ساعة. كما دعا القوات في حضرموت والمهرة إلى التنسيق مع التحالف السعودي وتسليم المواقع لقوات درع الوطن. وأعرب العليمي عن أسفه للدور الإماراتي في دعم تصعيد المجلس الانتقالي الجنوبي، مؤكدًا دعم اليمن لجهود السعودية في خفض التصعيد، ومشدّدًا على أن دماء اليمنيين خط أحمر.

 

المملكة تكشف سوء الحليف

من جانبها أعربت المملكة العربية السعودية عن أسفها لما قامت به دولة الإمارات العربية المتحدة من ضغط على قوات المجلس الانتقالي الجنوبي لدفع قواته للقيام بعمليات عسكرية على حدود المملكة الجنوبية في محافظتي حضرموت والمهرة، التي تعد تهديدًا للأمن الوطني للمملكة، والأمن والاستقرار في الجمهورية اليمنية والمنطقة، وأشارت إلى أن الخطوات التي قامت بها دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة تعد بالغة الخطورة، ولا تنسجم مع الأسس التي قام عليها تحالف دعم الشرعية في اليمن، ولا تخدم جهوده في تحقيق أمن اليمن واستقراره.
وتؤكد المملكة في هذا الإطار بأن أي مساس أو تهديد لأمنها الوطني هو خط أحمر لن تتردد المملكة حياله في اتخاذ كافة الخطوات والإجراءات اللازمة لمواجهته وتحييده.
كما أكدت المملكة التزامها بأمن اليمن واستقراره، وسيادته، ودعمها الكامل لفخامة رئيس مجلس القيادة الرئاسي وحكومته، وتجدد في هذا الإطار تأكيدها أن القضية الجنوبية هي قضية عادلة، لها أبعادها التاريخية، والاجتماعية، وأن السبيل الوحيد لمعالجتها هو عبر طاولة الحوار ضمن الحل السياسي الشامل في اليمن، الذي ستشارك فيه كافة الأطياف اليمنية بما في ذلك المجلس الانتقالي الجنوبي.
وشددت المملكة على أهمية استجابة دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة لطلب الجمهورية اليمنية بخروج قواتها العسكرية من الجمهورية اليمنية خلال أربع وعشرين ساعة، وإيقاف أي دعم عسكري أو مالي لأي طرف كان داخل اليمن، وتأمل المملكة في هذا الإطار أن تسود الحكمة وتغليب مبادئ الأخوة، وحسن الجوار، والعلاقات الوثيقة التي تجمع دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، ومصلحة اليمن الشقيق، وأن تتخذ دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة الخطوات المأمولة للمحافظة على العلاقات الثنائية بين البلدين الشقيقين، والتي تحرص المملكة على تعزيزها، والعمل المشترك نحو كل ما من شأنه تعزيز رخاء وازدهار دول المنطقة واستقرارها.

 

من السر إلى العلن

 

ويرى مستشار حملة “سودان المستقبل” عادل عبدالعاطي العاطي أن ما يجري بين الإمارات والمملكة العربية السعودية في اليمن هو انتقال الخلاف الخفي أو السري بين البلدين إلى مرحلة العلن. وأضاف في تصريح خص به “ألوان” أن البلدين لهما أجندة مختلفة تمامًا في اليمن؛ وتسعى السعودية إلى تحجيم الوجود الإيراني عبر هزيمة الحوثيين بحيث يكون وجوده ضعيفًا، بينما تسعى الإمارات إلى فصل اليمن الجنوبي عن اليمن والسيطرة على الموانئ والموارد ضمن خطتها، وهي السيطرة على كل الموانئ في منطقة بحر العرب والبحر الأحمر وكذلك المحيط الهندي. وزاد عبدالعاطي في حديثه قائلاً: “وكذلك تسعى لتطويق السعودية وجمهورية مصر العربية بأنظمة ومجموعات معادية لها”. وذهب في حديثه إلى أن الخطة لتطويق السعودية تقوم بوجود الإمارات في شرقها واليمن، وعمان في جنوبها، والنظام الإثيوبي وقوات الدعم السريع في غربها. وكذلك يتم نفس الشيء مع مصر حيث تسعى الإمارات لتطويقها بأنظمة وقوى معادية لها مثل حفتر في الغرب والدعم السريع في الجنوب ووجود إسرائيل حليفة الإمارات القوية في شرق مصر وشمال السعودية.
وكشف عبدالعاطي عن أن هذه الخطة هي جزء من المخطط الإماراتي الصهيوني الاستعماري لمحاصرة الدول الكبيرة ثم العمل على إرهاقها بأنظمة وحروب هجينة على حدودها، وبعد ذلك السعي إلى تفكيكها. وقال: “الإمارات تلعب دور مخلب القط للخطط الاستعمارية وخطط الشرق الأوسط الجديد في المنطقة، وقد تجلّى ذلك في دفعها لإسرائيل للاعتراف بدولة صومالاند المارقة والانفصالية، والذات الأمر تقوم به في السودان عبر قوات الدعم السريع المتمردة”.
وفي ختام حديثه قال عادل عبدالعاطي: “يبدو أن السعودية قد كثفت الضغط الدبلوماسي بعد أن أعلنت الإمارات العداء بتمكين المجلس الانتقالي اليمني الجنوبي من السيطرة على كامل اليمن الجنوبي وعلى 90% من الرقعة التي كانت تسيطر عليها الحكومة الشرعية في اليمن. فهذه الخطوة أتت بعد سيطرة المجلس في 2020 على جزيرة سقطرى وتكريس الاحتلال الإماراتي عليها بشكل كامل، والمجلس الانتقالي الجنوبي يلعب نفس الدور الذي تلعبه مليشيا الدعم السريع في تهديد وحدة السودان وتهديد الأمن القومي السعودي، وكذلك تهديد الأمن القومي الإقليمي”.

تحليل الخبراء

ويرى محللون ومراقبون دوليون أن تصاعد الأزمات في اليمن والسودان يعكس فشل مقاربة الاعتماد على المليشيات كأدوات نفوذ إقليمي، مؤكدين أن هذه السياسات تؤدي إلى تفكيك الدول لا إلى استقرارها. ويشير المراقبون والمحللون الذين استنطقتهم “ألوان” إلى أن انكشاف أدوار داعمي الجماعات المسلحة يضعف شرعيتها دوليًا، ويعزز في المقابل موقع الجيوش الوطنية بوصفها الضامن الوحيد لوحدة الدولة. ويجمع المراقبون على أن أي حل مستدام في المنطقة يمر عبر دعم مؤسسات الدولة، لا عبر وكلاء السلاح.

 

ويبقى مفهوم الدولة

 

وفي ضوء ما يجري في اليمن، وما سبقه في السودان، تتضح ملامح نمط إقليمي واحد يقوم على إضعاف الدولة الوطنية عبر تمكين مليشيات موازية للجيوش النظامية. غير أن هذا المسار، رغم ما يحظى به من دعم خارجي، يظل هشًا وقابلًا للانكشاف مع أول اختبار حقيقي للشرعية والسيادة.
وفي السودان، أثبتت الوقائع أن المليشيا لا يمكن أن تكون بديلًا للدولة، وأن الجنجويد، مهما تضخم دعمهم، يفتقرون للقبول الشعبي والمشروعية الوطنية. ومع كل انكشاف جديد لأدوار إقليمية في تغذية الصراعات، تتراجع سردية التمرد، ويتعزز موقف الجيش السوداني بوصفه المؤسسة الوحيدة القادرة على حماية وحدة البلاد.
إن ما يحدث اليوم في اليمن يبعث برسالة واضحة: الوكلاء لا يصنعون دولًا، والفوضى لا تبني استقرارًا. وفي المقابل، تبقى الجيوش الوطنية، مهما طال استهدافها، هي خط الدفاع الأخير عن السيادة ومفهوم الدولة.