
ملحمة الاستقلال .. حراك ما قبل السيادة الوطنية وحتى رفع العلم
ملحمة الاستقلال .. حراك ما قبل السيادة الوطنية وحتى رفع العلم
بقلم: صلاح الدين عبد الحفيظ
تتكاثر التضحيات التي قدمها نفر كريم لعزة الوطن واستقلاله، وفي هذا كان لا بد للوطنيين، وهم يضعون نصب أعينهم نحو استقلال البلاد، من التحسب لثمن ما يقدمونه، وهو بالطبع التضحية.
ومن تلك التضحيات المقاومة التي وجدها الحكم الاستعماري من المواطنين في فترات مختلفة. وتعتبر حركة ود حبوبة بالحلاوين هي أولى ثورات الوطنيين ضد المستعمر، وهي التي جعلت المستعمر ينتبه للثورات الوطنية، ويقوم بقمع ثورة ود حبوبة بصورة التقتيل وتكميم الأفواه.
ينتمي البطل عبد القادر ود حبوبة لقبيلة الحلاوين بالجزيرة، وهو أحد الأنصار شديدي الإيمان بالثورة المهدية، وكان أن جمع عدداً من الأنصار للثورة ضد الحكومة.
كان علم الحكومة بثورته يدخل في باب سوء تقديرها لثورته، فأرسلت له قوة صغيرة برئاسة مأمور المسلمية طالباً منه توضيح سبب ما قام به. أتى رد ود حبوبة واضحاً حين لقائه بمفتش المنطقة الضابط (موتكريف)، فكان أن هاجمه، وبالتالي لقي الضابط مصرعه.
جردت الحكومة قوة عسكرية بهدف قمع الثورة، فكان أن أُلقي القبض عليه، فأُعدم في العام 1908م بعد أن أوصل للمستعمر رسالة فحواها أن الثورة ضد المستعمر باقية في نفوس أبنائه، وأن فجر الحرية آتٍ لا ريب فيه.
ومن ضمن الثورات الوطنية الخالدة الذكر ثورة النوير التي اندلعت ما بين الأعوام (1899م) و(1908م)، والتي قادها لثلاث مرات سلطان قبيلة النوير، وكذلك ثورة قبيلة دينكا أجار 1901م حين ثاروا على حكم المستعمر، وكان أن لقي ضابط إنجليزي مصرعه في تلك الأحداث.
كانت ردة فعل الحكومة من العنف والقسوة ضد قبيلة دينكا أجار، فأرسلت إليهم قوة أحرقت قراهم، وقتلت شيوخهم، وصادرت مواشيهم. أما دينكا أشوت الذين يقيمون على نهر لادو فقد ثاروا على سياسة استنزاف مواردهم، فحدث لهم ما حدث لقبيلة النوير، إذ أُرسلت إليهم حملة قضت على قراهم ومواشيهم وزرعهم.
لم تكن قبيلة النوبة التي تقطن بجبال كردفان بعيدة عن الشعور الوطني، فقد رفض أهالي تلك القبيلة دفع الجزية المفروضة عليهم من قبل الحكومة، فأرسلت الحكومة لهم حملة عسكرية فنكلت بهم، وقتلت منهم من قتلت، وأسرت منهم من أسرت.
وتعتبر ثورة قبيلة النوبة من أطول ثورات الوطنيين في عهد الاستعمار، وهي التي امتدت منذ العام 1903م وحتى 1917م بكل من تلودي وهيبان وتوقوي والطير الأخضر وكارجولي وشط الصافية وميري والدلنج.
أما دارفور فهي إحدى معاقل الوطنيين منذ أيام إعلان الثورة المهدية، فظلت على العهد قوية في مبادئها للوطن، مستقلة عن حكم الإدارة البريطانية حتى العام 1916م.
وفي العام 1915م أعلن السلطان علي دينار تحلله من أية تبعية للحكم البريطاني، وهو ما حدا بالمواجهة العسكرية التي أسفرت عن استشهاده في نوفمبر 1916م.
تأتي الحركات الوطنية الحديثة التي يبدأ عملها الفعلي في العام 1919م بتكوين عدد من الشباب الطموح لجمعية الاتحاد السوداني، التي ضمت علي عبد اللطيف، وعبيد حاج الأمين، وحسين شريف، ومحمد فضل الله الشناوي، وسليمان كشة، والفنان خليل فرح.
ضم هذا التنظيم الوطني خريجي كلية غردون وبعض الموظفين والتجار، وجميعهم من الأدباء والنقاد والمثقفين. وهدفت هذه الجمعية لنشر الوعي بضرورة رحيل المستعمر، وتبلور عملها في الهجوم على الإدارة البريطانية عن طريق إرسال الرسائل عبر البريد.
ومن صلب هذه الجمعية تكونت جمعية اللواء الأبيض في أبريل من العام 1922م، وكانت خطتها تقتضي تعبئة قطاع أكبر من الجماهير، ولا يقتصر على صفوة معينة، بل لجميع السودانيين.
تكونت هذه الجمعية في قيادتها من الضباط بالجيش: علي عبد اللطيف، وحسين شريف، وحسن صالح المطبعجي، وصالح عبد القادر.
هدف دستور هذه الجمعية لخدمة الأهداف الوطنية السودانية، وأولها الاستقلال التام عن الاستعمار، ورفض الانفصال عن مصر، وهذا ما يظهر جلياً في خريطة وادي النيل إضافة إلى العلم المصري.
وسارت الأمور في صالح الجمعية، إذ انضم إليها نفر مقدر من المواطنين والموظفين والمعلمين، مما سمح لها بشن هجماتها السياسية وتنظيم المظاهرات بشتى مدن البلاد.
وتعتبر الفترة من ديسمبر 1923م وحتى نوفمبر 1924م هي الفترة التي شهدت أعظم نشاط لها، إذ شهدت مدن بورتسودان وعطبرة وكوستي والأبيض مظاهرات قوية، الهتافات واضحة الأهداف، مطالبة برحيل المستعمر.
أما في العاصمة فقد سارت عملية تنظيم المظاهرات جنباً إلى جنب مع توزيع المنشورات بالطرقات بكل من مدينتي الخرطوم وأم درمان.
تعتبر حادثة اعتقال الضابط علي عبد اللطيف بالسجن إثر مقال لم ينشر بصحيفة (حضارة السودان) السبب الرئيسي في اندلاع ثورة طلاب المدرسة الحربية في أغسطس 1924م، الذين ثاروا في وجه السلطة الاستعمارية وخرجوا بمظاهرة طافت شوارع الخرطوم مطالبة بإطلاق سراح البطل علي عبد اللطيف، الذي اعتقل بسجن كوبر.
تلخصت مطالب البطل علي عبد اللطيف في مطالب أسماها مطالب أمة، في عدد من المطالب الوطنية التي كانت حلماً لكل الوطنيين، وهي:
1- زيادة فرص التعليم للسودانيين.
2- نزع احتكار تجارة السكر ووضعه بيد التجار.
3- تغيير سياسة تقسيم إيرادات المحاصيل المنتجة بمشروع الجزيرة.
4- إسناد بعض الوظائف للسودانيين.
ورغماً عن عدالة هذه المطالب، إلا أن سياسة الإدارة البريطانية رأت فيها مساساً بهيبتها، فاعتقلته السلطات وأودعته بسجن كوبر، ومن ثم تم ترحيله إلى مصر، فبقي فيها حتى توفاه الله في العام 1949م.
ظلت البلاد حتى نوفمبر من العام 1924م مرجلاً يغلي بالثورة ضد المستعمر، وفي 18 نوفمبر 1924م اغتيل بشوارع القاهرة السير لي أستاك سردار الجيش المصري، فانتهزت بريطانيا هذه السانحة فأصدرت قرارها بترحيل الجيش المصري من السودان وعودته إلى مصر خلال أربعة وعشرين ساعة.
وحينها قررت الفرقة رقم (11) تسيير مظاهرة مسلحة بشوارع الخرطوم والاتجاه نحو الخرطوم بحري لمنع سفر تلك القوة، إيماناً منها بوحدة الجيشين المصري والسوداني.
وبشارع النيل قرب مستشفى النهر اعترضتها قوة مسلحة من قوات الحكومة، فكان الاشتباك المسلح، إذ فتح ضابط الفرقة السودانية النار في صدر العدو، فحصدوا عدداً منهم، واستمر تبادل النيران لأكثر من يوم، والأبطال في ساحة المعركة يواجهون الموت في سبيل عزة وكرامة الأمة.
قاد المعركة الضابط عبد الفضيل ألماظ، وبرفقته الضباط ثابت عبد الرحيم، وسليمان محمد، ومعهم عدد من الجنود.
استمرت المعركة منذ يوم الأربعاء 26 نوفمبر عصراً حتى ظهر الخميس 27 نوفمبر 1924م، وحين عجزت القوات البريطانية عن إسكات مدافع ونيران الأبطال، أمرت قوات الطابية بهدم مستشفى النهر الذي تحصنوا به، فكان استشهاد البطل عبد الفضيل ألماظ، واستشهد معه 14 من الجنود.
أما الضباط حسن فضل المولى، وثابت عبد الرحيم، وسليمان، فقد نفذت ذخيرتهم، وأمكن للحكومة إلقاء القبض عليهم، ومن ثم إعدامهم.
أما الضابطان علي البنا وسيد فرح، فقد عُدل حكم الإعدام على علي البنا إلى السجن المؤبد، مع هروب سيد فرح إلى مصر.
تم قمع الثورة بتلك الطريقة، وتفرق الأبطال ما بين سجين بواو مثل عبيد حاج الأمين، ومنفي بمصر، وذلكم هو البطل علي عبد اللطيف، أما صالح عبد القادر فقد فصل من مصلحة البوستة وضُيق عليه في معاشه.
ظلت بعد ذلك جذوة من النضال في نفوس الوطنيين دون مواجهة الحكومة، فبدأت جمعيات أدبية عديدة في العمل الثقافي، منها جمعية أبوروف، وجمعية الهاشماب، وجمعية ود مدني الأدبية.
ساعدت هذه الجمعيات على رفع الوعي ونشره، وهي كذلك الجمعيات التي ساعدت على إنشاء مؤتمر الخريجين، وذلك من أحمد خير، وهو صاحب الدعوة لإنشاء مؤتمر الخريجين، وذلك من خلال دعوته لذلك من داخل الجمعية الأدبية بود مدني.
تلقف الأستاذ أحمد يوسف هاشم تلك الدعوة، فكتب عنها بصحيفة النيل، ويعتبر أبو الصحف أحمد يوسف هاشم هو أكثر الذين ساندوا الفكرة من الصحافيين، حتى تكللت دعواته بتكوين المؤتمر.
ما إن أتى شهر فبراير من العام 1938م حتى تأسس المؤتمر، الذي ضم كل الخريجين بالسودان.
عمل المؤتمر أولاً على تقديم خدماته لعموم السودانيين، دفعاً للوعي وتقديماً لخدمات الصحة والتعليم.
لم يسفر المؤتمر عن وجهه السياسي إلا في العام 1942م، حين زيارة علي ماهر باشا، رئيس الوزراء المصري، فتم تقديم الدعوة له بمقر المؤتمر، مما أسفر بالتالي عن وجهه السياسي، ومنها انتقل المؤتمر نحو العمل السياسي.
قدم المؤتمر مذكرته الشهيرة للحكومة في فبراير 1942م، والتي تضمنت اثني عشر مطلباً، كان أهمها إعطاء السودان حق تقرير مصيره، وزيادة عدد المدارس، وفك احتكار بريطانيا للوظائف العليا بالبلاد.
ورغماً عن رفض الحكومة لهذه المطالب، إلا أن هذه المذكرة دفعت المؤتمر لمزيد من العمل السياسي الواضح المعالم في طريق الاستقلال.
شكل العام 1944م ظهور الأحزاب السياسية، فتشكل أولاً حزب الأشقاء مصر، ومن ثم في العام 1945م تكون حزب الأمة.
فكانت كل جماعات المثقفين الذين خرجوا من لدى مؤتمر الخريجين من أقطاب وأعضاء تلك الأحزاب، فظهرت شخصيات العمل الوطني التي جعلت حلم الاستقلال واقعاً عبر مجاهداتها الأولى بمؤتمر الخريجين، وقبله ثورة 1924م، مروراً بالإضراب الشهير لطلاب كلية غردون في العام 1931م.
كان من نتائج هذه الجهود التي سعت للاستقلال ذلك الوفد السوداني الموحد الذي سافر إلى مصر في العام 1946م للتعريف بقضية السودان، وهو الوفد الذي أيقن بضرورة الإسراع بخطوات من شأنها أن تعجل بالحلم الوطني، وهو استقلال البلاد.
استمرت مجهودات الرعيل الأول من الوطنيين في فترة البحث والمشقة نحو الاستقلال، حتى اعترفت الحكومة بالحكم الذاتي للسودان في 1953م.
فبدأت إجراءات أول انتخابات برلمانية بالبلاد، فكان يوم 3 نوفمبر 1953م هو أول يوم لتلك الانتخابات، وانتهى التصويت يوم 5 ديسمبر 1953م، فأتت نتيجة الانتخابات على النحو التالي:
1- الحزب الوطني الاتحادي 51 مقعداً.
2- حزب الأمة 22 مقعداً.
3- المستقلون 11 مقعداً.
4- الجنوبيون 9 مقاعد.
5- الحزب الجمهوري الاشتراكي 3 مقاعد.
تكونت الحكومة في يناير من العام 1954م برئاسة الأستاذ إسماعيل الأزهري، ومنها تشكلت أولى خطوات الاستقلال عبر تكوين لجنة السودنة لوظائف البريطانيين.
كان لجرأة الفكرة التي اقترحها الأستاذ إسماعيل الأزهري بإعلان الاستقلال من داخل البرلمان السبب في التعجيل به، وقطع الطريق أمام بقاء المستعمر في البلاد زمناً أطول.
فكان يوم 19 ديسمبر 1955م يوماً تاريخياً في سجل الوطن، إذ أُعلن الاستقلال من داخل البرلمان باقتراح قدمه النائب البرلماني عبد الرحمن دبكة، وثناه العضوان ميرغني حسين زاكي الدين، والأستاذ حماد أبو سدر.
ثم بعد ذلك إنشاء وتسمية أعضاء مجلس السيادة، ومن بينهم رئيسه، وكذلك ألوان العلم الوطني.
تحدد يوم الأول من يناير 1956م موعداً لإنزال العلمين المصري والبريطاني ورفع علم السودان مكانهما.
وفي ذلك اليوم بكى رجال، وغنى آخرون، وصمت البعض، كلٌّ لإحساسه تجاه تلك اللحظات التاريخية.