2025م .. السودانيون يتنفسون عبق (الحرية) بطرد المليشيا

متفائلون بعام جديد

2025م .. السودانيون يتنفسون عبق (الحرية) بطرد المليشيا

تقرير: الهضيبي يس

بدت العاصمة السودانية الخرطوم تتنفس الصعداء بعد ما تعرضت لأسوأ مشروع هدف لاستئصال إنسانها وتغيير جغرافيتها وثقافتها الاجتماعية والإنسانية، باستخدام أداة الحرب، ولولا عزيمة وقدرة وإرادة شعبها ومؤسسة (الجيش) التي استطاعت مجابهة ودحر أكبر مشروع للسيطرة عليها، وها هي اليوم تحاول أن تنهض من جديد عن طريق إعادة إعمار ما دمرته الحرب، بتشغيل مرافق الخدمات الأساسية من محطات المياه، والكهرباء، والمستشفيات، ورصف الطرق، وفتح الأسواق والمحال التجارية. بينما كان العام الماضي عصيبًا على السودانيين، ليس فقط على مستوى العاصمة الخرطوم، التي كثيرًا ما لجأ سكانها للنزوح خارج المدينة، ومن أثر البقاء واجهوا الموت، بل هناك من قام بدفن رفاة ذويه داخل المنازل نتيجة لاشتداد المعارك ما بين عناصر القوات المسلحة السودانية ومليشيا (الدعم السريع). كذلك لم تسلم مرافق الدولة وموروثها الثقافي والاجتماعي من عمليات النهب والسلب في إطار تدمير وطمس هوية الشعب السوداني، فكان حرق دار الوثائق، ونهب ممتلكات المتحف القومي، فضلًا عن تدمير دار الكتب السودانية والمكتبة الوطنية.

 

 

ومن أبرز ملامح عودة العاصمة الخرطوم عقب دحر التمرد وتحريرها من منسوبي (الدعم السريع)، الانتظام في إعادة تشغيل عدد من المرافق الخدمية، منها محطات المياه في مدن (الخرطوم) الرئيسية، من محطة مياه المقرن، وبيت المال بأمدرمان، وجبل أولياء، بينما كان التحدي الأبرز تشغيل المرافق الصحية (المستشفيات) رغم ما تعرضت له من مهددات، ولكن بعزيمة السودانيين تمت إعادة العمل في كل من مستشفيات أحمد قاسم لجرحة الكلى، ومستشفى أمدرمان التعليمي، وتطوير وزيادة سعة الاستيعاب لمستشفيات بر الوالدين و(النو).
كذلك مرت على العاصمة (الخرطوم) لحظات ومواقف غاية في الصعوبة وثقتها الأيام، فكان أبرزها تفشي وباء حمى الضنك والكوليرا، وهي أمراض فتكت بمواطني العاصمة لشهور، وشكلت تحديًا لمؤسسات الدولة نتيجة للحرب المشتعلة بالبلاد، حتى استطاع الجميع، دولة ومواطنين، مجابهة المرض ومحاصرته والانتهاء منه.
عسكريًا، جابهت الخرطوم أيضًا ما يُعرف ببقايا وعناصر (الدعم السريع)، وذلك إثر معارك عسكرية دارت جنوب مدينة أمدرمان عند مناطق أمبدة وصالحة، ووقتها حدثت أكبر المجازر الإنسانية إثر سقوط قذائف الدانات على رؤوس المواطنين العزل بأكبر الأسواق بأمدرمان، المعروف بسوق (صابرين)، مما أسفر عن مقتل نحو 120 شخصًا على الفور، ناهيك عن بقية الجرحى. الحادثة التي هزت كيان العالم والسودانيين معًا أكدت عدم وجود أي محددات أخلاقية وإنسانية للدعم السريع تجاه السودانيين.
ومن الحوادث التي كان لها الأثر البالغ أيضًا سقوط طائرة (الموشن) الروسية على رؤوس الأشهاد بمدينة أمدرمان عند منطقة الكلية الحربية، والتي كان على متنها مجموعة من الضباط بمختلف الرتب. الحادثة أعادت إلى الأذهان شريط الذكريات لحوادث شبيهة جرت في السودان، راح ضحيتها مجموعة من القيادات السياسية والعسكرية بالبلاد.
والآن، ونحن مقبلون على العام الجديد، فإن التوقعات تشير إلى تعافي العاصمة بصورة تدريجية بما يؤهل لعودة مواطنيها، خاصة أولئك الذين تفرقت بهم السبل بدافع الحرب والحفاظ على النفس، وعودة المؤسسات، مما يزيد من ذلك الدافع، ويعمل على تحسين الأوضاع المعيشية والحياة اليومية للمواطنين، وتوفير الحد الأدنى لهم من متطلبات العيش بشكل كريم.
ويؤكد الكاتب الصحفي والمحلل السياسي يوسف عبد المنان أن العام 2025 حقًا كان عصيبًا على السودانيين، إثر ازدياد حجم الانتهاكات على مستوى البلاد على يد عناصر مليشيا الدعم السريع في ولايات الجزيرة، وشمال كردفان، والنيل الأبيض، ودارفور، مما اضطر هؤلاء المواطنين للنزوح والفرار من ويلات الدعم السريع وبطش الانتهاكات الإنسانية.
وعن شأن التوقعات المستقبلية لعاصمة الخرطوم على وجه الخصوص، والسودان ككل، يشير يوسف إلى ضرورة توفير عدة متطلبات هي بمثابة روشتة تشجيعية لضمان سريان روح الاستقرار في بلد مترامي الأطراف مثل السودان، بدءًا من تعزيز مفهوم واستشعار ذلك عند المواطنين داخليًا وخارجيًا، لدفع مزيد من خطوات العودة الطوعية، والتي قطعًا معها انسياب وضع اقتصادي أفضل مما عليه الآن، بقيام مشاريع جديدة، وتوفير الخدمات، وعودة الأسواق.
ويوضح الكاتب الصحفي هيثم محمود أن تعافي الخرطوم والسودان يظل مرهونًا باشتراك السودانيين ضمن بث ثقافة الأمن شرقًا وشمالًا وجنوبًا، إلى جانب تكثيف الدور الإعلامي لإنهاء الحصار الذي تقع فيه بقية المدن السودانية تحت طائلة أيادي مليشيا الدعم السريع، مما قد يساعد بصورة كبيرة في تحسن الوضع الاقتصادي والمعيشي معًا.
ويضيف محمود أنه سياسيًا لا بد من التوصل إلى تسوية لإنهاء الحرب وفقًا لما قامت به الحكومة من اشتراطات ورؤية وخارطة طريق لسلام في السودان، بما يتسق مع ما هو وارد في اتفاقية جدة لشهر مايو لعام 2023، بينما يسعى العالم للوصول إلى تسوية بإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، عن طريق جعل الدعم السريع في وضع جديد داخل الدولة بصورة عسكرية وسياسية معًا، وهو ما قد يوفر لهم مستوى من الحماية أو ما يُعرف بالحصانات، حينها تضيع قضية العدالة والمحاسبة أمام الشعب والقانون.
وشدد محمود على أهمية الإسراع في نقل مؤسسات الدولة إلى العاصمة والعمل عن قرب مع المواطنين لتعزيز الثقة، وحسنًا فعلت الحكومة بإجازة موازنة عام 2026، التي سُميت بموازنة الطوارئ، خُصصت فيها قدر من المنصرفات لبرنامج إعادة الإعمار بولاية الخرطوم، ورفع سقف التمويل الزراعي لمحصول القمح لولايات الجزيرة، والشمالية، ونهر النيل، لتحقيق مستويات أعلى من الاكتفاء الذاتي الغذائي.