محمود عبدالعزيز.. إبداع لا ينتهي وجمهور لا ينسى

في ذكرى رحيله

محمود عبدالعزيز.. إبداع لا ينتهي وجمهور لا ينسى

بقلم: أمير أحمد حمد

(13) عاما على رحيل الفنان محمود عبدالعزيز الذي كان سحابةً ممطرة، ولكنها لم تعد فينا إلا بعد أن روت وجداننا بجميل الأغنيات، وما زال الوجدان مبتلًا ببديع أغنياته كلماتٍ وألحانًا.
محمود كان متوقد الذكاء الفني، فتعامل مع عدد وافر من الشعراء والملحنين، فتنوعت كلماته وألحانه، فكانت كألوان الطيف، منها الراقص والحزين.
من الأغنيات الجميلات التي جعلتني أنتبه إلى محمود، رغم أني رجل كلاسيكي، من الصعوبة الاقتناع بفنان شاب، رغم أني شاب، ولكن روحي روح جيل الخمسينيات والستينيات.
أغنية «عمري» كلمات مختار دفع الله وألحان الموسيقار المحامي هاشم عبدالسلام، وأغنية «ظالمني شوف كم سنة وبعدين معاك أنا يا هوي» كلمات إسماعيل الأعيسر وألحان عبداللطيف خضر ودالحاوي، والذي لحن له أيضًا أغنية «يا مدهشة» كلمات حسن الزبير، فقد أدى محمود هذه الأغنيات بصورة جعلتني أنتبه بأن هذا الشاب لا بد أن أفرد له مساحة في دواخلي.
والجميل أن محمود لم يجعل من نفسه ملحنًا، بل ترك صوته يتهافت عليه الملحنون، فكان التنوع الموسيقي أبرز علامة في مسيرته الفنية، وحتى الأغنيات التي تغنى بها لزملائه المطربين غناها بصوته، لم يلبس عباءة صاحبها الأساسي.
محمود، على الرغم من صغر عمره الفني، إلا أنه ترك رصيدًا جيدًا من الأغنيات فاق عددًا من المطربين الذين سبقوه بعشرات السنين، حيث بدأ الغناء بصورة احترافية في عام 1987، زاد عن يوبيله الفضي بعام واحد، إلا أنه في هذه الفترة القصيرة تفوق على كثير من الكبار، و(القدرو)، ويكفيه فخرًا أنه أصدر العشرات من الألبومات، وغنى فيها من إنتاجه الخاص ما يربو على 125 أغنية لشعراء مختلفين وملحنين قدامى وجدد، وكان في العام الواحد تصدر له ثلاثة ألبومات، وهذا لعمري مجهود جبار تفوق فيه على العديد من أبناء جيله، بل حتى على بعض الفنانين الكبار، الذين طال عمرهم الفني ولا يملكون إلا القليل من الأغنيات والألبومات.
محمود تعامل مع شعراء كبار أمثال إبراهيم محمد إبراهيم، ويس أمير، عبدالوهاب هلاوي، عزالدين هلالي، حسن الزبير، مختار دفع الله، ويحي فضل الله وغيرهم، كما تعامل أيضًا مع عدد من الملحنين الذين كان لهم دور كبير في إبراز إمكانيات صوته الفريد، الذي أحسبه قد بنى به مدرسته الخاصة في مجال الفن، وجعلت منهجه غير مرغوب لدى القليل من أصحاب المزاج الكلاسيكي من الفنانين الذين كانوا يسيطرون على إدارة اتحاد الفنانين، ولذا لم يفتح له الباب على مصراعيه، فترك العاصمة لبرهة من الزمن، واتجه لعروس الرمال الأبيض، التي زيّن لياليها بجميل صوته وسحر أنغامه، وأكسبته الثقة في نفسه، وتعرّف فيها على بعض نجوم فرقة كردفان الغنائية الذين وقفوا إلى جانبه أمثال يوسف القديل وعبدالله الكردفاني، فقد كانت لهم أيادٍ بيضاء في مسيرة محمود عبدالعزيز، خاصة القديل، فقد شكّل معه ثنائية نتجت عنها جميل الألحان.
كل الأغنيات التي تغنى بها محمود من إنتاجه الخاص كانت تحمل أسماء رنانة ومؤثرة في محبيه ومعجبيه، وتفاعلوا معها وحفظوها عن ظهر قلب، مثل «لهيب الشوق» و«برتاح ليك» و«نور العيون» و«ما تشيلي هم»، ومعظم أسماء أغانيه ترد في الأغنية، عكس الكثير من الأغنيات التي يُختار لها اسم ولا يرد اسمها في الأغنية.
محمود، رغم قلة عمره الفني، استطاع بهذا الذكاء الفني وموهبته الإبداعية أن يكون قاعدة جماهيرية ضخمة تحبه بإخلاص بقدر ما أخلص في فنه، وكان يبادلهم حبًا بحب، وقد ظهر هذا الحب عندما أُعلن عن وفاته، فقد كان يومًا صعبًا عليهم، ولم تشهد البلاد حزنًا على فنان كحزنهم على حبيبهم محمود عبدالعزيز.
رحل محمود، وما زال الصمود باقيًا في عشاق فنك، وما زال اندهاشهم برحيلك مسيطرًا عليهم، ولكنها سنة الله في أرضه، وليس لهم ولنا إلا الإيمان بقضاء الله وأمره النافذ فينا، شئنا أم أبينا. ونسأل الله أن يغفر لك ويدخلك جناته، إنه القادر على كل شيء.
ومن جميل أغنياته «لهيب الشوق» كلمات إبراهيم محمد إبراهيم:

زاد بي لهيب الشوق ما عارف أحوالا
الحلوة ست الناس ياريتني في بالا
مزروعة في جواي وأنا زدت في شوقا
محروسة بي ياسين وقلبي معشوقا
زي نفحة الياسمين سمحة وسمح زوقا
نار الغرام في الجوف زادن لهيب الشوق
زي قمرة في دورين، قمرة في دورين، أصلو الجميل معشوق
ليها الحنين دفاق وقلوبنا مشتاقة كاتلانا بي ريدا
ونحن عشاقا السمحة ست الناس حرقانا أشواقا.