
صمود في أوروبا .. جولة مدفوعة لتلميع المليشيا
صمود في أوروبا .. جولة مدفوعة لتلميع المليشيا
تقرير: مجدي العجب
في توقيتٍ بالغ الحساسية، ومع تسارع المتغيرات الميدانية والدبلوماسية لصالح الدولة السودانية وجيشها، تطلّ جولة تحالف «صمود» الأوروبية بقيادة د. عبد الله حمدوك، لا بوصفها حراكًا بريئًا لوقف الحرب كما يُروَّج، بل كحلقة جديدة في سلسلة محاولات إعادة تدوير الأزمة، وتجميل وجه مشروعٍ إقليميٍ تلقّى ضربات موجعة في الميدان والسياسة معًا. جولة تبدأ من باريس، عاصمة القرار الأوروبي، وتتحرك بين عواصم كبرى، في لحظةٍ بات فيها المشهد واضحًا: مليشيا الدعم السريع تتراجع، وتفقد الأرض والشرعية، ومن يقف خلفها إقليميًا يجد نفسه محاصرًا دبلوماسيًا، ومكشوف الأدوار، ومضطرًا للبحث عن واجهات مدنية لتخفيف كلفة الهزيمة. وليست مصادفة أن تتحرك «صمود» الآن، ولا أن تُفتح لها المنابر الأوروبية تحت لافتة «السلام» و«العمل الإنساني»، بينما تتجاهل عمداً جذر الأزمة ومسببها الحقيقي. فبعد أن فشلت محاولات فرض الأمر الواقع عبر السلاح، وبعد أن سقط رهان المليشيا على الحسم العسكري، انتقل الصراع إلى ساحة أخرى: ساحة العلاقات العامة، وتبييض الصفحات، وإعادة تسويق الوكلاء السياسيين. هنا بالضبط، يظهر دور «صمود» كذراع سياسي لمليشيا فقدت قدرتها على التقدّم، لكنها لم تفقد بعد داعميها ولا أدواتهم.
الجولة الأوروبية، التي يُقال إنها تستهدف حشد الدعم لوقف الحرب، تأتي في واقع الأمر كمحاولة لإعادة خلط الأوراق، والالتفاف على حقيقة أن ما يجري في السودان ليس «نزاعًا بين طرفين متكافئين»، بل حرب فرضتها مليشيا متمردة مدعومة خارجيًا، في مواجهة دولة وجيش ومؤسسات. ومع انكشاف الدور الإماراتي وتضييق الخناق عليه في المحافل الدولية، لم يبقَ أمامه سوى الاستثمار في الواجهات المدنية، وتمويل الجولات، وصناعة الخطاب، أملاً في الحفاظ على ما تبقّى من شتات الجنجويد سياسيًا بعد أن تهاوى عسكريًا.
من هذا المنظور، تبدو جولة «صمود» الأوروبية أقل ارتباطًا بآلام السودانيين، وأكثر التصاقًا بحسابات الخارج، وأقرب إلى محاولة إنقاذ سياسي لمشروع سقط في امتحان الدم. إنها جولة تبحث عن تعاطف دولي مفقود، وتراهن على ذاكرة أوروبية قصيرة، في وقتٍ بات فيه الواقع السوداني أكثر وضوحًا من أي سردية مصنوعة: جيش وطني يخوض معركة استعادة الدولة، وشعب يدفع ثمن التمرد، ومحاولات يائسة لإعادة تدوير الهزيمة تحت مسمى «السلام».
أبوظبي تستخدم صمود
وبدأ وفد من تحالف «صمود»، الثلاثاء، جولة أوروبية بقيادة رئيس التحالف د. عبد الله حمدوك، تشمل عدة لقاءات بحكومات وبرلمانات أوروبية، بهدف دعم السلام في السودان وتسليط الضوء على الأوضاع الإنسانية. ووفقاً لمصدر مطلع تحدث لـ«صحيح السودان»، فإن الجولة الأوروبية تشمل دول «فرنسا، النرويج، هولندا، ألمانيا، بريطانيا»، وقد تمتد إلى دول أخرى في الأيام المقبلة. ويضم الوفد، إلى جانب حمدوك، رئيس لجنة العلاقات الخارجية بتحالف «صمود» بابكر فيصل، والناطق الرسمي باسم التحالف بكري الجاك. وتهدف الجولة الأوروبية إلى عقد لقاءات رسمية مع ممثلي الحكومات والبرلمانات، بهدف تسليط الضوء على الأوضاع الإنسانية في السودان، وحشد الدعم الأوروبي لوقف الحرب والسلام في البلاد.
تحولات عميقة
ويقول الأكاديمي والمحلل السياسي د. الرشيد محمد إبراهيم: جولة تحالف «صمود» الأوروبية لا يمكن فصلها عن التحولات العميقة التي يشهدها المشهد السوداني ميدانيًا ودبلوماسيًا، مشيرًا إلى أن هذا التحرك يأتي كردّ فعل مباشر على التقدم الواضح الذي يحققه الجيش السوداني، والانحسار المتسارع لمليشيا الجنجويد عسكريًا وسياسيًا. وأكد في حديث خص به ألوان: ما يُقدَّم للرأي العام الأوروبي بوصفه «مبادرة سلام» لا يعدو كونه محاولة لإعادة إنتاج الأزمة عبر واجهات مدنية، بعد فشل الرهان على السلاح. ويضيف في حديثه لنا التحالف، في هذه الجولة، يتجاهل عمدًا جوهر الصراع، ويتعامل مع الحرب كأنها نزاع متكافئ بين أطراف سياسية، في حين أن الحقيقة الواضحة هي وجود مليشيا متمردة ارتكبت انتهاكات واسعة، ووجدت دعمًا إقليميًا مكشوفًا، في مواجهة دولة ذات سيادة وجيش وطني. ووفقًا لرأيه، فإن هذا الخلط المتعمّد يهدف إلى تمييع المسؤوليات، وفتح نافذة سياسية لمن فقدوا شرعيتهم على الأرض. ويشير ابراهيم إلى أن التوقيت يحمل دلالات بالغة، لافتًا إلى أن التحرك الأوروبي جاء بعد تضييق الخناق دبلوماسيًا على الأطراف الداعمة للمليشيا، الأمر الذي دفعها إلى البحث عن أدوات ضغط ناعمة، واستخدام قوى مدنية كأذرع سياسية لتبييض الصورة، والتأثير على مواقف بعض العواصم الغربية. ويؤكد أن هذه الاستراتيجية ليست جديدة، لكنها تواجه اليوم وعيًا دوليًا أكبر بحقيقة ما يجري في السودان. وختم د. الرشيد حديثه لنا قائلا: أي حديث جاد عن السلام لا يمكن أن يمر عبر منصات مدفوعة الثمن أو خطابات انتقائية، بل يبدأ بالاعتراف الصريح بطبيعة الحرب، وتجريم التمرد وداعميه، ودعم مؤسسات الدولة السودانية في معركتها لاستعادة الأمن وبسط السيادة، محذرًا من أن تجاهل هذه الحقائق لن يؤدي إلا إلى إطالة أمد الأزمة، تحت شعارات لا تعكس الواقع.
المليشيا وصمود
ويذهب الأكاديمي والمحلل السياسي د. حسن الشايب إلى أن جولة تحالف «صمود» الأوروبية تمثل انتقالًا من ساحة الفشل العسكري إلى ساحة المناورة السياسية والإعلامية، بعد أن فقدت المليشيا وحلفاؤها القدرة على فرض أي معادلة جديدة على الأرض. ويؤكد في حديث لألوان: هذا التحرك لا يستهدف وقف الحرب بقدر ما يسعى إلى إعادة تدوير الفاعلين أنفسهم، ومنحهم غطاءً سياسيًا خارجيًا يعوّض خسائرهم الميدانية. ويشير الشايب إلى أن التحالف يحاول مخاطبة العواصم الأوروبية بلغة إنسانية منتقاة، تتجاهل السياق الكامل للأزمة، وتغفل عن عمد المسؤول المباشر عن الكارثة الإنسانية. ووفقًا لرأيه، فإن تقديم الحرب باعتبارها «صراعًا سياسيًا» يهدف إلى طمس حقيقة التمرد المسلح، وتخفيف الضغط الدولي عن الجهات التي دعمته ماليًا ولوجستيًا، بعد أن أصبحت أدوارها محل مساءلة في المحافل الدولية. ويرى الشايب أن «صمود» في هذه الجولة لا يتحرك كفاعل وطني مستقل، بل كواجهة سياسية لمشروع إقليمي مأزوم، يحاول إنقاذ ما تبقى من نفوذه في السودان عبر العواصم الغربية، بعد أن أُغلقت أمامه الأبواب في الميدان. ويضيف أن هذا الاستخدام المكشوف للقوى المدنية يضر بالعمل السياسي نفسه، ويفرغه من مضمونه الوطني، ويحوّله إلى أداة لتصفية حسابات خارجية على حساب دماء السودانيين.
وختم الشايب حديثه لنا قائلا: المجتمع الدولي، وخاصة الأوروبي، مطالب اليوم بقراءة المشهد السوداني بعمق، وعدم الانجرار وراء حملات علاقات عامة مصممة بعناية، مشددًا على أن السلام الحقيقي لن يتحقق إلا بدعم الدولة ومؤسساتها الشرعية، ومساندة الجيش في معركته ضد التمرد، لا عبر توفير منصات سياسية لمن لفظهم الواقع.
محاولة مكشوفة
في المحصلة، تكشف جولة «صمود» الأوروبية عن صراعٍ لم يعد يدور فقط في ميادين القتال، بل انتقل إلى غرف السياسة والضغط الناعم، في محاولة مكشوفة لإعادة صياغة الهزيمة بلغة دبلوماسية ناعمة. وبينما يواصل الجيش السوداني تقدمه في معركة استعادة الدولة وفرض هيبتها، تتهاوى رهانات التمرد الواحد تلو الآخر، لتبقى الجولات الخارجية مجرد محاولات يائسة لتأخير الاعتراف بالواقع. إن السلام الذي ينشده السودانيون لا يُصنع في العواصم البعيدة ولا بوفودٍ ممولة، بل يُبنى على تفكيك التمرد، وتجفيف مصادر دعمه، والانحياز الصريح لشرعية الدولة، لأن أي سلامٍ يتجاوز هذه الحقائق لن يكون سوى هدنة كاذبة تؤجل الانفجار ولا تمنعه.