من السودان إلى الصومال .. تفكك مشروع أبوظبي الإقليمي

من السودان إلى الصومال .. تفكك مشروع أبوظبي الإقليمي

تقرير: مجدي العجب

في لحظةٍ كاشفةٍ لانهيار مشروعٍ إقليمي بُني على الوهم والمرتزقة والمال السياسي، تتساقط أوراق أبوظبي تباعًا، من القرن الإفريقي إلى الجزيرة العربية، ومن سواحل الصومال إلى عمق السودان. ما يجري اليوم في بوصاصو ليس حدثًا عابرًا ولا إجراءً تقنيًا، بل إعلان فشلٍ صريح لمشروعٍ ظلّ يعتقد أن شراء السلاح والرجال كفيلٌ بشراء السيادة، وأن استئجار المرتزقة يمكن أن يصنع نفوذًا دائمًا أو شرعيةً مفقودة. لقد راهنت أبوظبي طويلًا على العبث بأمن الدول الهشّة، فحوّلت نفسها من «شريك» مُدّعى إلى طرفٍ مرفوض، ومن فاعلٍ إقليمي إلى عبءٍ سياسي وأمني. في الصومال، انتهى الرهان بانسحابٍ مهين للخبراء الكولومبيين وتوقفٍ كامل للأنشطة، في مشهدٍ يُجسّد سقوط مشروعٍ بُني خارج إرادة الدولة الصومالية وضد كرامة شعبها. وفي اليمن، لم تحصد أبوظبي سوى الفوضى والتشظّي وملفٍّ ثقيل من الانتهاكات، لتغادر المشهد وقد خلّفت جراحًا أعمق من قدرتها على الترميم. أمّا في السودان، فقد انكشفت الأدوار التخريبية بأوضح صورها، وسقط المشروع مع صمود الدولة والجيش، لتتحطّم أوهام السيطرة أمام إرادة شعبٍ وجيشٍ يقاتلان دفاعًا عن الوطن.

 

 

 

إن حكومة أبوظبي، التي اعتادت تصدير الفوضى وشراء المرتزقة لتفكيك المجتمعات الآمنة، تجد نفسها اليوم منبوذةً سياسيًا وأخلاقيًا، مطرودةً من ساحات العبث، ومكشوفةً أمام الرأي العام الإقليمي والدولي. فما عاد المال قادرًا على ستر المشاريع الفاشلة، ولا الطائرات المستأجرة قادرة على إنقاذ نفوذٍ يتآكل. ما حدث في بوصاصو ليس إلا فصلًا جديدًا من كتاب السقوط، ودليلًا على أن زمن التدخلات العابرة للسيادة يلفظ أنفاسه الأخيرة. هذه ليست معركة بيانات ولا خلافات دبلوماسية، بل صراعٌ بين مشروع دولة ومشروع فوضى. وبينما تستعيد الشعوب قرارها وسيادتها، تتراجع أبوظبي خطوةً بعد أخرى، وقد بات واضحًا أن المنطقة لم تعد تحتمل مغامرات المرتزقة ولا هندسة الخراب. اليوم تُطوى صفحةٌ سوداء في الصومال، وغدًا تُستكمل فصول الهزيمة في كل ساحةٍ راهنت فيها أبوظبي على تقويض الدول بدل احترامها.

 

طرد أبوظبي

 

وتشهد الساحة الصومالية تحولاتٍ متسارعة على المستويين الأمني والسياسي، عقب قرار الحكومة الفيدرالية الصومالية تعليق التعاون مع دولة الإمارات العربية المتحدة.
وتأكّد رسميًا الانسحاب الكامل لكافة الخبراء والمدرّبين الكولومبيين العاملين ضمن البرامج المرتبطة بالإمارات في مناطق ولاية بونتلاند، وعلى رأسها مدينة بوصاصو. وأكدت مصادر متعددة أن رحلةً جويةً تابعةً للخطوط الجوية الإثيوبية وصلت اليوم إلى مطار بوصاصو وغادرت وعلى متنها عشرات الكولومبيين، إلى جانب موظفين أجانب آخرين كانوا يعملون في القاعدة الغربية التي أنشأتها الإمارات قرب مطار بوصاصو، ما يعكس إخلاءً فعليًا للوجود الأجنبي المرتبط بتلك الأنشطة. وتشير معطيات حصل عليها موقع «الصومال الآن» إلى أن جميع الرحلات الجوية المنسوبة للإمارات توقفت منذ الرابع عشر من الشهر الجاري، إذ لم تُسجَّل أي رحلة هبوط أو إقلاع من مطارات بونتلاند، ما أدّى إلى شللٍ كامل في حركة الإمداد والدعم الفني واللوجستي الذي كانت الإمارات تديره في المنطقة، في مؤشرٍ واضح على انهيار منظومة عملياتها داخل الصومال. ويُلاحظ أن الرحلة الإثيوبية الأخيرة، التي نُفِّذت بطائرة كبيرة من طراز DH8، جاءت بعد رفض السلطات الفيدرالية السماح للطائرات الإماراتية بدخول الأجواء الصومالية، في حين كانت الخطوط الإثيوبية قد قامت مطلع الأسبوع بترحيل عناصر إماراتية كانت متواجدة في مقديشو.
ولا يزال مصير القاعدة الإماراتية في بوصاصو محلّ غموض، وسط إصرارٍ حكومي على إغلاقها بالكامل.
وعلى الصعيد الشعبي، لقيت هذه التطورات ترحيبًا واسعًا في أوساط الشارع الصومالي، حيث اعتبرها المواطنون خطوةً سياديةً تصبّ في مصلحة البلاد وتحمي كرامتها الوطنية، رغم اعتقاد البعض أن القرار جاء متأخرًا. ويُجمع مراقبون على أن تجاوزاتٍ سابقة، أبرزها السماح بعبور قيادات انفصالية عبر الأجواء الصومالية دون موافقة رسمية، شكّلت انتهاكًا صارخًا للسيادة الوطنية وأسهمت في تسريع هذا المسار.
في المقابل، تشير معلومات متداولة إلى أن أبوظبي لم تتخلَّ كليًا عن محاولات التأثير، بل تعمل على ترتيباتٍ بديلة عبر استضافة شخصياتٍ وجهاتٍ صومالية في مساعٍ لبلورة مواقف مضادة لقرارات الحكومة الفيدرالية.
وتداولت منصات محلية في بونتلاند روايات تزعم أن الكولومبيين غادروا في «إجازة عمل»، غير أن تزامن المغادرة وعدد المغادرين، الذي تجاوز أربعين شخصًا في رحلةٍ واحدة، يدحض تلك المزاعم.
ولم يصدر حتى الآن أي تعليق رسمي من الحكومة الفيدرالية بشأن إخلاء مطار بوصاصو أو تفاصيل الانسحاب، إلا أن الوقائع الميدانية تؤكد أن مغادرة الكولومبيين وتوقف الرحلات الإماراتية تمثل مرحلةً فاصلة تعكس قطيعةً فعلية وتغيّرًا جذريًا في معادلة الوجود الإماراتي داخل الصومال.

 

سقوط المشروع

 

ويقول الأكاديمي والمحلل السياسي دكتور محيي الدين محمد محيي الدين إن ما تتعرض له أبوظبي اليوم من عزلةٍ متزايدة ورفضٍ إقليمي ليس نتيجة سوء تقديرٍ عابر، بل حصيلة مباشرة لنهجٍ سياسي قائم على التدخل الخشن، وتفكيك الدول من الداخل، والرهان على المرتزقة بدل احترام سيادة الشعوب. ويؤكد في حديثه لـ(ألوان) أن مشروع أبوظبي في المنطقة سقط أخلاقيًا قبل أن يسقط سياسيًا، لأن أي نفوذ يُبنى على المال والسلاح خارج الشرعية لا يمكن أن يستمر. ويشير محيي الدين إلى أن الانسحاب المهين للمرتزقة الكولومبيين من الصومال يُعد اعترافًا عمليًا بفشلٍ كامل لا يمكن تغليفه بأي مبرراتٍ فنية أو لوجستية، مضيفًا أن ما جرى في بوصاصو يعكس انهيار منظومة النفوذ الإماراتي التي كانت تعمل في الظل، بعيدًا عن مؤسسات الدولة الصومالية وإرادة شعبها.
وزاد في حديثه لـ(ألوان) أن أبوظبي كرّرت النموذج ذاته في اليمن والسودان، حيث حاولت صناعة مراكز قوى موازية للدولة، وتمويل جماعاتٍ مسلحة وواجهاتٍ سياسية هشّة، لكنها اصطدمت بحقائق الجغرافيا والتاريخ وبقوة المجتمعات الوطنية التي ترفض الوصاية. وفي السودان، يوضح أن انكشاف الدور الإماراتي في دعم المليشيات أسهم في توحيد الوعي الشعبي خلف الجيش والدولة، وأسقط الرهان على تفكيك البلاد من الداخل.
وختم حديثه قائلًا إن أبوظبي اليوم تدفع ثمن سياسة قصيرة النظر، وأن المنطقة بدأت تدخل مرحلةً جديدة عنوانها استعادة السيادة ورفض المشاريع العابرة للحدود، مؤكدًا أن زمن شراء المرتزقة وصناعة النفوذ بالشيكات قد انتهى، وأن الشعوب، مهما طال صبرها، قادرة على إسقاط أي مشروع يستهدف أمنها وكرامتها مهما بلغت إمكاناته المالية.

 

فشلٌ بنيوي

 

ويرى مراقبون ومحللون سياسيون استنطقتهم (ألوان) أن التطورات الأخيرة في الصومال تمثل ضربةً قاصمة لمشروع أبوظبي في القرن الإفريقي، وتؤكد أن سياسة شراء النفوذ عبر المرتزقة والمال السياسي وصلت إلى طريقٍ مسدود. ويشيرون إلى أن الانسحاب المفاجئ للعناصر الأجنبية وتوقف الرحلات الإماراتية يعكسان فشلًا بنيويًا في إدارة النفوذ خارج إطار الشرعية والسيادة الوطنية.
ويضيف المراقبون أن ما حدث في بوصاصو ليس معزولًا عن إخفاقاتٍ مماثلة في اليمن والسودان، حيث اصطدمت تدخلات أبوظبي برفضٍ شعبي واسع وبواقعٍ سياسي لا يقبل الوصاية. ويجمع المحللون على أن المنطقة تشهد تحوّلًا واضحًا ضد المشاريع التخريبية، وأن الدول باتت أكثر وعيًا بخطورة الرهان على قوى خارجية تسعى لزعزعة الاستقرار بدل دعمه.

سوء السمعة

 

إذًا، ما تشهده الصومال اليوم ليس سوى انعكاسٍ مباشر لتحوّلٍ إقليمي أوسع، تتهاوى فيه مشاريع العبث والتدخل أمام صلابة الدولة وإرادة الشعوب. إن انسحاب المرتزقة وتوقف أنشطة أبوظبي يؤكدان أن زمن العمل في الظل وشراء النفوذ قد انتهى، وأن السيادة لم تعد سلعةً قابلةً للمساومة. ومع سقوط هذا المشروع في الصومال، كما سقط من قبل في اليمن ويتهاوى في السودان، تتكرّس حقيقة واحدة: لا مستقبل لأي نفوذٍ يُبنى على الفوضى، ولا مكان في المنطقة لمشاريع لا تحترم الدول ولا كرامة شعوبها.