معارك جنوب كردفان والنيل الأزرق .. الجيش يُسحق المليشيا والداعمين

فك حصار الدلنج

معارك جنوب كردفان والنيل الأزرق .. الجيش يُسحق المليشيا والداعمين

تقرير: مجدي العجب

في وقتٍ تتكشّف فيه ملامح المعركة الوجودية التي يخوضها السودان دفاعًا عن دولته وسيادته ووحدته الوطنية، تبرز انتصارات القوات المسلحة السودانية في جنوب كردفان وإقليم النيل الأزرق كتحوّل نوعي في ميزان الصراع، ورسالة ميدانية صارمة بأن مشروع تفكيك الدولة قد اصطدم بجدار الجيش وصلابة إرادته. هذه الانتصارات لم تكن مجرد تقدم عسكري محدود، بل جاءت كضربة استراتيجية ساحقة وموجعة لشبكة معقّدة من المليشيات المتحالفة، والداعمين الإقليميين، وأذرع المؤامرة التي راهنت على إشعال الهشيم من الأطراف لإسقاط المركز. ففي النيل الأزرق، حيث راهن المتآمرون على الجغرافيا الوعرة، والتداخلات القبلية، والحدود المفتوحة، نجحت القوات المسلحة في دحر العدو، وتدمير تجمعات المليشيا ومعاونيها، وتفكيك خطوط الإمداد، مؤكدة أن الجيش لا يقاتل بردّ الفعل، بل وفق رؤية عملياتية شاملة تستهدف تجفيف منابع التمرد وضرب حواضنه السياسية والعسكرية. وهو ما يفسّر حالة الارتباك والتخبط التي أعقبت هذه الانتصارات، سواء في خطاب قادة المليشيا أو في تحركات داعميها الإقليميين. وتبرز الاتهامات التي أطلقها عبد الرحيم دقلو بحق جوزيف توكا، لا بوصفها خلافًا داخليًا عابرًا، بل كدليل إضافي على تصدّع التحالفات الهشّة التي قامت على المصالح المؤقتة والرهانات الخارجية. فهذه الاتهامات تعكس حجم الصراع داخل معسكر التمرد نفسه، وتكشف عن أدوار متشابكة لبعض القيادات المحلية التي انخرطت في مشروع تخريبي عابر للحدود، ارتبط مباشرة بأجندات إثيوبية وجنوبية وتشادية، وبدعم إماراتي يسعى لإعادة إنتاج الفوضى في السودان تحت عناوين زائفة.

 

 

 

إن ما يجري في النيل الأزرق لا يمكن فصله عن المشهد الإقليمي الأوسع، حيث تتقاطع مصالح دول وجماعات تسعى لإضعاف السودان، والسيطرة على قراره، واستنزاف جيشه، عبر استخدام المليشيات كأدوات رخيصة في حرب بالوكالة. غير أن الواقع الميداني أثبت أن هذه المؤامرة، رغم تشعّبها، تتهاوى أمام تماسك القوات المسلحة، والتفاف قطاعات واسعة من الشعب السوداني حول جيشه باعتباره خط الدفاع الأخير عن الدولة. وبينما يواصل الجيش تقدمه بثبات، تتكشّف الحقائق تباعًا: المليشيا ليست سوى واجهة لمشروع إقليمي خطير، والتحالفات التي نسجتها لم تصمد أمام أول اختبار حقيقي، والاتهامات المتبادلة داخل معسكر التمرد ما هي إلا أعراض لانهيار وشيك. وفي قلب هذا المشهد، يقف الجيش السوداني، لا كطرف في صراع، بل كعمود فقري لدولة تقاتل من أجل البقاء.

فك حصار الدلنج

 

قال مكتب الناطق الرسمي بإسم القوات المسلحة أن القوات المسلحة والقوات المساندة، تمكنت من فتح طريق الدلنج بجنوب كردفان عنوةً واقتداراً، بعد تنفيذ عملية عسكرية ناجحة، أسفرت عن دحر وتدمير مليشيا آل دقلو الإرهابية ومرتزقتها التي كانت تحاول تعطيل حركة المواطنين والإمدادات واستهداف الأمن والاستقرار بالمنطقة. وقد كبدت قواتنا العدو خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد، وفرّ من تبقى منهم هاربين تحت ضربات أبطال قواتنا، الذين أثبتوا مرة أخرى جاهزيتهم العالية، وانضباطهم، وقدرتهم على الحسم في كافة المحاور.
وجددت القوات المسلحة عهدها لشعبنا الصابر بأنها ماضية بثبات في تطهير البلاد من دنس المليشيا الإرهابية، حتى يتحقق الأمن والاستقرار في ربوع البلاد.

 

 

وتتوالى الانتصارات

 

وواصلت القوات المسلحة السودانية، مسنودة بالقوات المساندة لها، عملياتها الميدانية في ولاية جنوب كردفان، حيث نفذت تمشيطًا واسعًا شمل مناطق كُرتالا وكلوجي والتِّيل شرق مدينة الدلنج، في إطار تأمين المنطقة وملاحقة المجموعات المسلحة. وأكدت مصادر ميدانية أن القوات المسلحة بسطت سيطرتها الكاملة على منطقة هبيلا، عقب اشتباكات عنيفة أسفرت عن إلحاق خسائر كبيرة في صفوف مليشيا الدعم السريع والحركة الشعبية شمال جناح عبد العزيز الحلو، إضافة إلى المرتزقة المتحالفين معهم. وأشارت المصادر إلى تدمير والاستيلاء على عدد من العربات القتالية، إلى جانب تحييد أعداد من العناصر المسلحة، ما أسهم في تعزيز الوضع الأمني وقطع خطوط الإمداد عن المجموعات المتمردة. وتأتي هذه العمليات ضمن خطة القوات المسلحة لاستعادة السيطرة على المناطق المتأثرة بالتمرد في جنوب كردفان، وتأمين المدنيين، وبسط هيبة الدولة، ومواصلة التقدم الميداني حتى تطهير كامل الإقليم من المليشيات المسلحة.

دقلو يصرخ

 

واتهم قائد ثاني مليشيا الدعم السريع المتمرد عبد الرحيم دقلو، القائدَ بالحركة الشعبية – شمال، جناح عبد العزيز الحلو، جوزيف توكا، بالتسبّب في هزيمة تحالف المليشيا والحركة على يد القوات المسلحة والقوات المساندة لها في عدة مواقع بإقليم النيل الأزرق. وقال عبد الرحيم إن توكا يهدف إلى إضعاف الدعم السريع وتفتيت قوته الميدانية والسياسية، لتعديل موازين القوى على الأرض خدمةً لأهداف استراتيجية وقبلية تتعلق بشعب جبال النوبة الذي يرفض وجود المليشيا في أراضيهم.

 

هجوم فاشل

 

وشنت مليشيا الدعم السريع، بالتنسيق مع الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال بقيادة عبد العزيز الحلو، يوم الأحد، هجومًا فاشلا استهدف عدة مناطق في إقليم النيل الأزرق، انطلاقًا من أراضي دولة جنوب السودان، وفقًا لمصادر حكومية. ويواجه الإقليم الواقع في الجزء الجنوبي الشرقي من السودان مخاطر متزايدة جراء احتمال تعرضه لهجمات عسكرية من «الدعم السريع» وقوات الحركة الشعبية، في ظل حشود كبيرة للطرفين بمناطق حدودية مع دولتي جنوب السودان وإثيوبيا. وكان مسؤولون سودانيون اتهموا في وقت سابق دولة الإمارات بإقامة قواعد عسكرية قرب الحدود السودانية مع دول جنوب السودان وإثيوبيا، وتوفير إسناد عسكري وعناصر مرتزقة للدعم السريع، في إطار ما وصفوه بترتيبات لفتح جبهة جديدة في إقليم النيل الأزرق. وقالت مصادر حكومية لـ«سودان تربيون» إن «قوة كبيرة من الدعم السريع مسنودة بعناصر من الحركة الشعبية (قيادة عبد العزيز الحلو)، شنت هجومًا على مناطق السِلّك وملكن ومناطق أخرى في محافظة باو بإقليم النيل الأزرق».

 

انهيار مشروع الحرب بالوكالة

 

ويقول الأكاديمي والمحلل السياسي د. حسن الشايب: ما تحقق في إقليم النيل الأزرق يتجاوز كونه انتصارًا عسكريًا محدودًا، ليشكّل لحظة كاشفة لانهيار مشروع الحرب بالوكالة الذي استهدف السودان من أطرافه الهشّة. ويؤكد الشايب في حديثه لـ(ألوان) أن تفكك التحالف بين مليشيا الدعم السريع والحركة الشعبية، وتبادل الاتهامات بين قياداتهما، يعكس فشل الرهان الإقليمي على المليشيات كأداة لإضعاف الدولة السودانية. ويضيف أن تماسك القوات المسلحة وقدرتها على إدارة المعركة ميدانيًا وسياسيًا يوجّه رسالة حاسمة مفادها أن السودان، رغم حجم المؤامرة، ما زال يمتلك جيشًا قادرًا على حماية سيادته وإفشال الأجندات الخارجية.

 

عبء سياسي وأمني على داعم المليشيا

 

ويذهب محللون سياسيون إلى أن التطورات المتسارعة في النيل الأزرق وجنوب كردفان تمثل نقطة انعطاف حاسمة في مسار الحرب، إذ كشفت بوضوح هشاشة التحالفات التي قامت عليها مليشيا الدعم السريع، واعتمادها المفرط على الإسناد الخارجي. ويرى المحللون الذين استنطقتهم (ألوان) أن تبادل الاتهامات داخل معسكر التمرد، خاصة بين قياداته والحركة الشعبية، يعكس صراعًا على النفوذ وتقاسم الأدوار بعد الفشل الميداني، أكثر من كونه خلافًا تكتيكيًا عابرًا. ويؤكدون أن استمرار تقدم القوات المسلحة من شأنه تقليص قدرة هذه المليشيات على المناورة، وتحويل الدعم الإقليمي من عامل قوة إلى عبء سياسي وأمني على الجهات المتورطة فيه.

 

أوهام تحالفات أبوظبي

 

لذا تؤكد مجريات الأحداث أن ما يجري في النيل الأزرق وجنوب كردفان لم يعد مجرد مواجهة عسكرية مع مليشيات متمردة، بل معركة سيادة في مواجهة مشروع إقليمي سعى لاختطاف القرار السوداني عبر الفوضى والسلاح. ومع كل تقدم يحققه الجيش، تتراجع أوهام التحالفات الخارجية، وتتساقط أوراق التمرد واحدة تلو الأخرى. وبين واقع ميداني يتغيّر لصالح الدولة، وانكشاف سياسي غير مسبوق لأدوار الداعمين، تتكرس حقيقة واحدة: القوات المسلحة السودانية تمضي بثبات نحو حسم المعركة، مدفوعة بإرادة وطنية ترى في الجيش صمام أمان الدولة ودرعها الأخير في معركة البقاء.