
السودان وبريطانيا .. خطوات لإعادة الإعمار
السودان وبريطانيا .. خطوات لإعادة الإعمار
تقرير: الهضيبي يس
التقى رئيس مجلس السيادة الانتقالي، القائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول الركن عبد الفتاح البرهان، بمدينة بورتسودان العاصمة الإدارية المؤقتة، وفداً بريطانياً برئاسة الفريق أول بحري إدوارد ألغرين، كبير المستشارين العسكريين بوزارة الدفاع البريطانية لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وضم الوفد المبعوث البريطاني الخاص إلى السودان ريتشارد كراودر، إلى جانب الملحق العسكري البريطاني بالقاهرة.
وتناول اللقاء مجمل تطورات الأوضاع في السودان، والجهود المبذولة لتحقيق السلام والأمن والاستقرار، إلى جانب استعراض مسار العلاقات الثنائية بين البلدين وآفاق تعزيزها وتطويرها بما يخدم المصالح المشتركة. وأكد المبعوث البريطاني إلى السودان، ريتشارد كراودر، في تصريح صحفي، وقوف حكومة وشعب المملكة المتحدة إلى جانب الشعب السوداني، مشدداً على أن بلاده تسخّر إمكانياتها لدعم السودان في تحقيق الأمن والاستقرار، واستعادة الخدمات الأساسية، ودفع عجلة التنمية والتعافي، معرباً عن أسفه لمعاناة الشعب السوداني ومأساته جراء الحرب الدائرة.
وأضاف كراودر: «أجرينا محادثات مهمة مع رئيس مجلس السيادة حول الحاجة العاجلة للتوصل إلى وقف لإطلاق النار»، وتابع قائلاً: «عبّرنا عن صدمتنا العميقة إزاء الصورة التي برزت في مدينة الفاشر، والتي كشفت عن وحشية وعمليات قتل جماعي ارتُكبت على نطاق واسع». وأضاف: «تحدثنا أيضاً عن دور الأطراف المختلفة في الالتزام بحماية المدنيين وفقاً لإعلان جدة لحماية المدنيين».
وأشاد المبعوث البريطاني بالعلاقات التاريخية المتجذرة بين البلدين في مجالات التعليم والثقافة والتنمية الاقتصادية، منوهاً بالإسهامات الكبيرة للسودانيين في المملكة المتحدة ودورهم الفاعل في الحياة الوطنية البريطانية.
وشدد كراودر على ضرورة تضافر الجهود الدولية التي تقودها الولايات المتحدة وشركاؤها لإنهاء النزاع وتقديم العون الإنساني، ووضع حد للفظائع التي شهدتها مدينة الفاشر. وأشار إلى أن المملكة المتحدة ستتولى رئاسة مجلس الأمن الدولي الشهر المقبل، كما ستستضيف في أبريل القادم مؤتمراً مشتركاً مع ألمانيا في برلين لدعم السودان.
وأكد المبعوث البريطاني حرص لندن على التنسيق الوثيق مع الشركاء في الولايات المتحدة، والنرويج، والأمم المتحدة، والاتحادين الأوروبي والأفريقي، لضمان تحقيق السلام والاستقرار المستدام في السودان.
وفي السياق ذاته، أعلنت المملكة المتحدة عن ترتيبات لعقد مؤتمر يُعنى بإعادة إعمار السودان، في أعقاب الحرب التي اجتاحت البلاد منذ أبريل 2023، واستهدفت البنية التحتية، ما أدى إلى خروج مؤسسات خدمية في قطاعات التعليم والصحة والطاقة عن الخدمة، وانعكس إنسانياً في تزايد أعداد النازحين واللاجئين في البلد الأفريقي.
وعقد الوفد البريطاني سلسلة لقاءات رسمية شملت مدير عام جهاز المخابرات العامة، ووزير الخارجية والتعاون الدولي، ورئيس مجلس السيادة الانتقالي، في سياق تعزيز التشاور السياسي والأمني بين البلدين.
وفي إطار رؤية حكومة السودان لتحقيق السلام، شارك وفد حكومي يضم ممثلين من وزارتي الدفاع والخارجية والتعاون الدولي في جلسة مباحثات ثنائية مطولة مع الجانب البريطاني، قدم خلالها شرحاً لخلفيات اندلاع الحرب وتمرد المليشيا والانتهاكات المرتكبة بحق المواطنين، إضافة إلى استعراض موقف الحكومة وتفاعلها مع المبادرات الدولية الهادفة لإحلال السلام. وأكد الوفد السوداني انفتاح الحكومة على كافة المبادرات التي تلبي تطلعات الشعب السوداني وتحترم سيادة الدولة ووحدة أراضيها.
من جانبه، استمع الوفد الحكومي باهتمام لرؤية الحكومة البريطانية بشأن تحقيق السلام، ودخل الطرفان في حوار بنّاء حول آليات الوصول إلى تفاهمات مشتركة تُمكّن من استمرار التواصل وصياغة رؤية موحدة لدعم السلام، واتخاذ خطوات عملية تسهم في تطبيع العلاقات الثنائية.
واختُتمت المباحثات بالتأكيد على ضرورة مواصلة الحوار البنّاء وتعزيز التعاون المشترك، بما يخدم المصالح المتبادلة ويدعم مساعي الاستقرار والسلام.
وكانت بريطانيا قد تبنّت خلال العامين الماضيين موقفاً سابقاً تجاه السودان، تمثّل في المساواة بين الجيش السوداني، الذي يكتسب صفة الشرعية الدستورية في حماية أمن وسلامة البلاد ومواطنيها، ومليشيا «الدعم السريع» التي سعت في أوقات سابقة للاستيلاء على السلطة بالقوة. وظهر ذلك الموقف من خلال ممثلي المملكة المتحدة في أروقة مجلس الأمن الدولي عبر تقارير ومطالبات، من بينها الدعوة إلى حظر الطيران السوداني التابع للجيش، تحت ذريعة الدفع نحو عملية سلام لإنهاء الحرب.
غير أن ترجيح كفة العمليات العسكرية لصالح الجيش السوداني، وطرد مليشيا «الدعم السريع» من العاصمة الخرطوم وولايات وسط البلاد: سنار، الجزيرة، والنيل الأبيض، أسهم في تغيير المعادلة السياسية، وبروز موقف جديد للحكومة البريطانية تجاه السودان. وتجلّى ذلك في زيارة السفير البريطاني إلى العاصمة الإدارية البديلة بورتسودان في ديسمبر الماضي، بعد عامين من اندلاع الحرب، حيث أجرى مباحثات مع عدد من المسؤولين السودانيين أفضت إلى تأكيد بريطاني على دعم السودان إقليمياً ودولياً.
وتشير هذه المواقف إلى متغيرات واضحة في توجهات حكومة التاج الملكي البريطاني تجاه السودان، في إطار مسعى جديد، وفقاً لمراقبين، لفتح صفحة جديدة من العلاقات الدبلوماسية، عقب الاستيثاق من حجم المخطط ذي الأبعاد الإقليمية والدولية الذي استهدف السودان، وموارده الاقتصادية، وموقعه الجغرافي، وإنسانه.
ويؤكد الباحث في الشؤون الدولية إبراهيم ناصر أن بريطانيا بدت وكأنها بصدد إعادة دراسة موقفها تجاه السودان، مشيراً إلى أن هذا التحول هو نتاج عملية سياسية وعسكرية قادها السودان عبر إقامة تحالفات جديدة مع قوى دولية وإقليمية في المنطقة، من بينها مصر، وإيران، والسعودية.
ويضيف ناصر أن تمدد الحرب وتداعياتها الإقليمية والدولية، خاصة على منطقة البحر الأحمر، لعب دوراً محورياً في هذا التحول، بالنظر إلى العلاقات التي تربط بريطانيا بدول ذات ثقل إقليمي ودولي مثل مصر والسعودية، ما جعل لندن تنظر إلى الحرب في السودان بوصفها قضية تتجاوز كونها صراعاً داخلياً بين أطراف عسكرية.
ويتابع قائلاً: إن توجه بريطانيا نحو عقد مؤتمر لإعادة إعمار السودان يشير، بحسب التقديرات، إلى توفر معلومات واسعة تفيد بأن الحرب أوشكت على نهايتها، وأن السودان يستعد للانتقال إلى المرحلة الثانية المتمثلة في الإعمار، وسط فتح الباب أمام منافسين دوليين، في وقت تدرك فيه بريطانيا، بحكم علاقاتها التاريخية والاجتماعية والسياسية السابقة، خصوصية المشهد السوداني. كما أن الانتهاكات الإنسانية التي ارتكبتها مليشيا «الدعم السريع»، لا سيما في إقليم دارفور ومدينة الفاشر خلال أكتوبر الماضي، وضعت بريطانيا وحلفاءها في موقف حرج تجاه الحرب ومواقفهم منذ اندلاع النزاع المسلح.