البرهان في الدوحة .. مباحثات سياسية وأمنية واقتصادية

البرهان في الدوحة .. مباحثات سياسية وأمنية واقتصادية

تقرير: مجدي العجب

في توقيتٍ إقليميٍّ بالغ الحساسية، وتحت تعقيدات مشهد داخلي وإقليمي يتشابك فيه الأمني بالسياسي والاقتصادي، جاءت زيارة السيد رئيس مجلس السيادة الانتقالي، القائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول الركن عبد الفتاح البرهان، إلى العاصمة القطرية الدوحة، محمّلة بدلالات استراتيجية تتجاوز البروتوكول الدبلوماسي، لتعكس عمق التحولات الجارية في مسار إدارة الدولة السودانية لمعركتها الوجودية، وسعيها لتأمين شبكة إسناد إقليمي واعٍ بطبيعة التحديات التي تواجه السودان ووحدته وسيادته.
فالزيارة، التي حظيت باستقبال رسمي رفيع من قبل حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير دولة قطر، عكست بوضوح المكانة الخاصة التي يحتلها السودان لدى القيادة القطرية، وأكدت أن العلاقات بين البلدين لا تقوم على المصالح الظرفية، بل على روابط أخوة راسخة وتفاهم سياسي متقدم، يتعامل مع السودان بوصفه دولة محورية في أمن واستقرار الإقليم، وليس كساحة أزمة عابرة.
وتكتسب هذه الزيارة أهمية مضاعفة بالنظر إلى التشكيل النوعي للوفد السوداني المرافق لرئيس مجلس السيادة، والذي ضم مفاصل الدولة السيادية والتنفيذية الحساسة، ممثلة في وزيري الخارجية والمالية، ومحافظ بنك السودان المركزي، ومدير جهاز المخابرات العامة، بما يعكس إدراك القيادة السودانية لطبيعة المرحلة، وحاجتها إلى مقاربة شاملة تُدار فيها المعركة على أكثر من جبهة: سياسية ودبلوماسية، اقتصادية ومالية، وأمنية وسيادية.
إن وجود وزير الخارجية في هذه الزيارة يؤكد سعي السودان لإعادة صياغة حضوره الخارجي، وتثبيت روايته الرسمية حول ما يجري في البلاد، في مواجهة حملات التضليل ومحاولات شرعنة التمرد. بينما يحمل وجود وزير المالية ومحافظ البنك المركزي دلالات واضحة على بحث آفاق التعاون الاقتصادي، واستقطاب الدعم والاستثمار، وتخفيف آثار الحرب على الاقتصاد الوطني، في إطار شراكات تحترم سيادة الدولة وخياراتها الوطنية. أما مشاركة مدير جهاز المخابرات العامة، فتعكس إدراكًا عميقًا لتشابك الملف الأمني السوداني مع محيطه الإقليمي، وضرورة التنسيق مع الدول الصديقة في قضايا الأمن ومكافحة التهديدات العابرة للحدود.
وفي هذا السياق، تبرز دولة قطر كفاعل إقليمي ظل ثابتًا في دعمه للسودان سياسيًا وإنسانيًا وتنمويًا، دون الانخراط في مشاريع الوصاية أو الاستثمار في الفوضى. إذ ظلت الدوحة، عبر مواقفها المعلنة وتحركاتها الدبلوماسية، تقف إلى جانب وحدة السودان واستقراره، وتدعم مؤسساته الشرعية، وتتعاطى مع أزمته من منطلق احترام سيادته وخيارات شعبه، وهو ما منحها ثقة القيادة السودانية، وكرّسها شريكًا موثوقًا في مرحلة إعادة بناء الدولة بعد الحرب.
وعليه، فإن زيارة رئيس مجلس السيادة إلى قطر لا يمكن قراءتها بمعزل عن معركة الدولة السودانية لاستعادة توازنها، ولا عن سعيها لإعادة التموضع إقليميًا عبر بوابات الشراكات الصادقة، بعيدًا عن محاور العبث والرهانات على المليشيات والفوضى. إنها زيارة تؤكد أن السودان، وهو يخوض حربه الوطنية دفاعًا عن جيشه ومؤسساته ووحدة ترابه، يتحرك بثقة على الساحة الإقليمية، ويُحسن اختيار حلفائه، ويبعث برسائل واضحة مفادها أن الدولة باقية، والجيش ماضٍ، والدعم الإقليمي الواعي حاضر.

الرئيس في دوحة العرب

ووصل السيد رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول الركن عبد الفتاح البرهان، أمس، إلى العاصمة القطرية الدوحة. وكان في استقباله بالديوان الأميري سمو الأمير تميم بن حمد آل ثاني، أمير دولة قطر.
وأجرى سمو أمير دولة قطر مراسم استقبال رسمية لرئيس المجلس السيادي بالديوان الأميري بالدوحة، وذلك على شرف زيارته لدولة قطر.
حيث يعكس هذا الاستقبال الحافل المكانة الرفيعة التي يحظى بها السودان في قلوب الشعب القطري وحكومته، فضلًا عن علاقات الأخوة الصادقة التي تجمع بين الفريق أول الركن البرهان وشقيقه الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، والتي تعبر عن التنسيق المحكم بينهما حيال القضايا الإقليمية والدولية.
ورافق رئيس مجلس السيادة في زيارته وزير الخارجية السفير محيي الدين سالم، ووزير المالية د. جبريل إبراهيم، ومحافظ بنك السودان د. آمنة ميرغني، ومدير جهاز المخابرات العامة الفريق أول أحمد إبراهيم مفضل، واللواء الركن عادل سبدرات مدير مكتب رئيس مجلس السيادة. وانضم إلى الوفد سفير السودان لدى دولة قطر السفير بدر الدين عبد الله.

البرهان وتميم

وعقد السيد رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول الركن عبد الفتاح البرهان وحضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير دولة قطر، أمس بالديوان الأميري جلسة مباحثات ثنائية تناولت مسار العلاقات السودانية القطرية وسبل دعمها وتطويرها بما يخدم مصالح الشعبين الشقيقين.
وأعرب البرهان عن شكره وتقديره لأمير دولة قطر على حفاوة الاستقبال وكرم الضيافة، مشيدًا بمواقف دولة قطر المشرفة الداعمة للسودان، مؤكدًا حرص السودان على ترقية علاقات التعاون بين البلدين، مشيرًا إلى الروابط الأزلية التي تربط بين السودان ودولة قطر.
إلى ذلك، رحّب سمو الأمير تميم بن حمد آل ثاني بفخامة رئيس المجلس السيادي والوفد المرافق، معربًا عن أمله في أن تسهم هذه الزيارة في تعزيز علاقات التعاون المشترك ودفعها إلى آفاق أرحب.
وجرى خلال الجلسة استعراض مسيرة العلاقات الثنائية بين البلدين في مختلف المجالات، إلى جانب بحث تطورات الأوضاع في السودان، والجهود الدولية المبذولة لتحقيق الأمن والاستقرار والسلام، بما يحفظ وحدة السودان وسيادته على كامل أراضيه.
وحضر الجلسة من الجانب السوداني السفير محيي الدين سالم وزير الخارجية، ود. جبريل إبراهيم وزير المالية، ومحافظ البنك المركزي دكتورة آمنة ميرغني، ومدير جهاز المخابرات العامة الفريق أول أحمد إبراهيم مفضل، وسفير السودان لدى دولة قطر السفير بدر الدين عبد الله، واللواء الركن عادل سبدرات مدير مكتب رئيس مجلس السيادة.
وحضرها من الجانب القطري معالي الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني، رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية، وسعادة السيد عبد الله بن محمد الخليفي رئيس الديوان الأميري، وسعادة السيد علي بن أحمد الكواري وزير المالية، وسعادة السيد خلفان بن علي الكعبي رئيس جهاز أمن الدولة، وسعادة الدكتور محمد بن عبد العزيز الخليفي وزير الدولة بوزارة الخارجية، وعدد من كبار المسؤولين.

دلالات الزيارة

ويقول الصحافي والمحلل السياسي عبد العظيم صالح إن زيارة رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول الركن عبد الفتاح البرهان إلى دولة قطر، بالتشكيل السيادي الرفيع المرافق له، تعكس انتقال الدولة السودانية من مرحلة ردّ الفعل إلى مرحلة الفعل السياسي المنظم، وإدارة الأزمة بعقل الدولة لا بمنطق الطوارئ. ويؤكد صالح في تصريح لـ(ألوان) أن دلالات الزيارة لا تنحصر في بعدها البروتوكولي، بل تكمن في طبيعة الملفات التي يحملها الوفد، لافتًا إلى أن وجود وزراء الخارجية والمالية ومحافظ بنك السودان المركزي، إلى جانب مدير جهاز المخابرات العامة، يشير إلى مقاربة شاملة تتعامل مع الحرب بوصفها معركة سيادة وأمن واقتصاد في آن واحد.
وأضاف في حديثه لنا قائلًا: قطر تظل من الدول القليلة في الإقليم التي تعاملت مع السودان من منطلق احترام مؤسساته الشرعية ووحدته الوطنية، ولم تنخرط في مشاريع الاستثمار في الفوضى أو دعم المليشيات، ما جعلها شريكًا موثوقًا في هذه المرحلة الحرجة، سواء على مستوى الدعم السياسي أو الإنساني أو الاقتصادي.
وأشار إلى أن توقيت الزيارة يحمل رسالة مزدوجة، الأولى للداخل السوداني بأن الدولة ما زالت متماسكة وقادرة على إدارة علاقاتها الخارجية رغم الحرب، والثانية للإقليم والمجتمع الدولي بأن الجيش السوداني، بوصفه العمود الفقري للدولة، لا يقاتل في عزلة، بل يتحرك ضمن شبكة علاقات واعية تدرك خطورة تفكيك السودان على أمن المنطقة بأكملها.
وختم حديثه بأن هذه الزيارة تمثل خطوة مهمة في إعادة تموضع السودان إقليميًا، وترسيخ معادلة واضحة قوامها أن استقرار السودان يبدأ من دعم دولته الوطنية وجيشه، وليس عبر تجاوز المؤسسات أو القفز فوق الشرعية.

 

رسالة واضحة

 

ويضيف الصحافي والمحلل السياسي عاصم البلال الطيب في حديث لـ(ألوان) قائلًا: زيارة رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول الركن عبد الفتاح البرهان إلى دولة قطر، رفقة كبار المسؤولين السياديين، تمثل رسالة واضحة على حرص السودان على تعزيز شراكاته الاستراتيجية الإقليمية، وتأكيد دوره الفاعل في ملفات الأمن والاستقرار.
وزاد في قوله: التشكيل الرفيع للوفد يعكس إدراك القيادة السودانية لأهمية التنسيق بين الجوانب السياسية والاقتصادية والأمنية في هذه المرحلة الحساسة. كما تسلط الزيارة الضوء على موقف قطر الداعم لوحدة السودان وسيادته، وتعكس إرادة القيادة السودانية في بناء تحالفات واعية تساهم في استقرار الدولة ومؤسساتها.

 

السودان يسير بخطى محسوبة

 

وعليه، فإن زيارة رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول الركن عبد الفتاح البرهان إلى قطر في توقيت حساس يفرضه واقع التحديات الداخلية والإقليمية على السودان، تؤكد أن الدولة لم تفقد بوصلة استقرارها، وأن الجيش السوداني يواصل حماية سيادة البلاد ووحدة أراضيها. كما تعكس الزيارة مستوى التنسيق السياسي والأمني والاقتصادي الذي توليه القيادة السودانية، ودور قطر كشريك موثوق يعزز جهود السودان في مواجهة الأزمات. وفي ضوء هذه التحركات، يبدو جليًا أن السودان يسير بخطى محسوبة نحو تثبيت دعائم الدولة، وإعادة بناء تحالفاته الاستراتيجية بما يخدم مصالح شعبه وسيادته الوطنية.