
نازحو دارفور في عطبرة .. معاناة مستمرة
نازحو دارفور في عطبرة .. معاناة مستمرة
تحقيق: صلاح الدين عبد الحفيظ
بين ركام الذكريات الثقيلة وقلق البقاء، يعيش نازحو دارفور في حي النهضة شرق عطبرة واقعًا لا يقل قسوة عمّا فرّوا منه. معسكرٌ نشأ على هامش المدينة، وتمدّد مع موجات نزوح متلاحقة، ليضم أسرًا حملت معها وجع الحرب وفقدان الوطن، لكنها وجدت نفسها في مواجهة معاناة جديدة عنوانها شح الخدمات، وتفاوت الدعم، وغياب الاستجابة الرسمية. هذا التحقيق يرصد تفاصيل الحياة اليومية داخل المعسكر، ويكشف شكاوى ساكنيه، وأسئلتهم المفتوحة حول دور حكومة ولاية نهر النيل ومحلية عطبرة، في وقت تبدو فيه الحلول ممكنة، لكنها مؤجلة، فيما يظل الانتظار سيد الموقف.
معسكر في الهامش
داخل حي النهضة، شرق مدينة عطبرة، وفي مساحة جغرافية لا تكاد تنبض بالحياة سوى عبر الشارع الرئيسي الرابط بين عطبرة وبورتسودان، يتمدد معسكر يضم نازحين من دارفور، قادمين من نيالا، الجنينة، زالنجي، ومؤخرًا من مدينة الفاشر، عقب سقوطها في أيدي الجنجويد. هنا، تتقاطع قصص الهروب من الموت مع واقع جديد لا يقل قسوة، واقع عنوانه العجز، وغياب الاستجابة، وتفاوت المعاملة بين نازحين يفترض أن تجمعهم المعاناة ذاتها.
احتياجات تتضاعف
ازدياد أعداد النازحين، لا سيما بعد موجات النزوح الأخيرة من الفاشر، ضاعف الضغط على المعسكر الذي يفتقر أصلاً إلى الحد الأدنى من الخدمات. خيام متآكلة، مرافق شحيحة، وخزان مياه واحد يعتمد كليًا على مركبة (تانكر) وحيدة لإمداده بالمياه. أي تأخير في وصول هذه المركبة يعني ببساطة انعدام المياه، وهو ما حدث بالفعل أكثر من مرة، مخلفًا حالة من العطش والقلق بين الأسر، خاصة الأطفال وكبار السن.
شكاوى بلا استجابة
فضل الله جراض، رئيس لجنة نازحي المعسكر، يتحدث بقلق واضح وغضب مكتوم عن موقف حكومة ولاية نهر النيل، واصفًا استجابتها بالضعيفة وغير المسؤولة. يقول جراض: «تقدمنا بخمس شكاوى مكتوبة لوالي الولاية، تتعلق بأبسط حقوقنا، ولم يصلنا أي رد، ولم يزرنا أي مسؤول حتى لمعرفة فحوى الشكاوى». أبرز هذه الشكاوى، وفق حديثه، تتعلق بتوفير الوقود للمركبة الوحيدة المكلفة بإمداد خزان المياه. «حين تتأخر المركبة، ينعدم الماء تمامًا، ومع ذلك لم نجد أي تحرك جاد».
معاناة مزدوجة
إحدى أكثر القضايا إثارة للغضب داخل المعسكر، بحسب رئيس لجنته، هي ما وصفه بـ«الدعم الانتقائي». حيث خصصت حكومة الولاية دعمها لنازحي الفاشر دون غيرهم من النازحين القادمين من نيالا، الجنينة، وزالنجي – وفق قوله -. ويضيف: «الذبائح ظلت متواصلة لنازحي الفاشر حتى يوم الخميس 29 يناير، بينما بقية النازحين محرومون من هذا الدعم، رغم أنهم يعيشون الظروف نفسها».
تقصير غير مبرر
لا يقف الأمر عند حدود حكومة الولاية، بل يمتد إلى محلية عطبرة التي تواجه بدورها اتهامات بالتقصير. فضل الله جراض يشير إلى أن المحلية رفضت تقديم الدعم لنازحي كردفان ونيالا، واستثنت نازحي الفاشر الذين تُلبّى مطالبهم بسرعة. ويستدل على ذلك بطلب تقدمت به لجنة المعسكر لتوفير خيام بغرض تأهيل روضة الأطفال الوحيدة داخل المعسكر. «تقدمنا بالطلب لموظفة المحلية هويدا، ومنذ أكثر من شهر لم نجد أي استجابة، بل فوجئنا بتقديم خيام لنازحي الفاشر بدلًا من تخصيص خيمة واحدة للروضة».
الضوء الوحيد في العتمة
في مقابل هذا الغياب الرسمي، يبرز دور بعض المنظمات والخيرين الذين حاولوا سد الفجوة بجهود محدودة لكنها مؤثرة. منظمة IRC أسهمت بتوفير مواد غذائية تكفي لمدة 15 يومًا، كما لعب شباب شارع الحوادث، ورجل الإنسانية عوض حداد، وتكية عطبرة، وعلى رأسها عبد السميع، إضافة إلى جمعية الهلال الأحمر، أدوارًا إنسانية مقدرة خففت جزئيًا من وطأة المعاناة. غير أن هذه الجهود، رغم أهميتها، تظل غير كافية في ظل اتساع حجم الاحتياجات.
أزمة المياه
أزمة المياه، وهي الأكثر إلحاحًا، لا تحتاج ـ بحسب سكان المعسكر ـ إلى حلول معقدة. يوضح رئيس لجنة المعسكر أن توفير الوقود لمركبة التانكر كفيل بإنهاء معاناة متكررة، ويمنع تكرار سيناريو العطش الذي عاشه السكان قبل أيام. «المشكلة واضحة، والحل بسيط، لكنه معلق بلا مبرر»، يقول سكان المعسكر: الحلول بسيطة.. فلماذا التعقيد؟. عدد من سكان المعسكر أجمعوا، في أحاديث متفرقة، على أن غالبية مشاكلهم يمكن حلها بسهولة وبتكلفة محدودة، سواء عبر توفير الوقود، أو توزيع الدعم بعدالة، أو الاستجابة لاحتياجات الأطفال التعليمية. ويطرح هؤلاء تساؤلًا مشروعًا: هل عجزت حكومة ولاية نهر النيل، وهي من أغنى ولايات السودان، عن معالجة هذه الإشكالات غير المكلفة؟.
في انتظار المسؤول
على مدار يومين، حاولنا الوصول إلى مكتب والي ولاية نهر النيل لطرح هذه الأسئلة بشكل مباشر، كما سعينا للتواصل مع موظفة محلية عطبرة المعنية، إلا أن كل المحاولات باءت بالفشل. هذا التعذر في الوصول، إلى جانب طبيعة القضايا الملحة، دفعنا إلى نشر هذا التحقيق دون تأخير، مع التأكيد على أن الباب لا يزال مفتوحًا أمام الرد والتوضيح. ويبقى نازحو دارفور في حي النهضة بعطبرة، بين معاناة يومية وانتظار طويل لمسؤول قد يأتي، أو لا يأتي.