
من الحسابات إلى خزائن بنك الخرطوم.. كيف يرى العملاء والمصرفيون الخصم من الأرصدة؟
رصد: ألوان
لا تزال الخصومات التي نفذها بنك الخرطوم من حسابات عملائه تثير جدلًا واسعًا، إذ يعتبرها العديد من العملاء “عملية نهب” صريحة بعد تنفيذها دون إذن مسبق. ويخصم بنك الخرطوم أموالًا من أرصدة العملاء مرتين في العام كرسوم “صندوق ضمان الودائع”، وهو آلية تنظيمية تهدف إلى حماية أموال المودعين حال تعثر أي بنك أو إفلاسه. وبدأ بنك الخرطوم اعتبارًا من التاسع والعشرين من يناير الماضي عمليات خصم من الحسابات المصرفية للعملاء، تتفاوت من حساب لآخر بحسب المبالغ المودعة. وقال أحمد صلاح لـ “سودان تربيون” إنه تفاجأ بخصم مبلغ من حسابه في بنك الخرطوم دون أي اخطار مسبق. وشدد على ضرورة عدم الخصم من أموال المودعين، مؤكدًا أن القواعد المصرفية الراسخة تقتضي التزام البنك بعدم المساس بالأرصدة. وأضاف: “ما يحدث من البنك بسحب مبالغ تحت مسمى صندوق ضمان الودائع بدون إخطار أو موافقة واضحة تصرف مرفوض ومخالف لأبسط قواعد العمل المصرفي”.
دعوات لإعادة الأموال
واعتبر عبد الله خير الله طريقة بنك الخرطوم في الخصم تغولًا غير مبرر على أرصدة العملاء دون توضيح أو إخطار مسبق. ودعا، خلال حديثه لـ “سودان تربيون”، البنك إلى إرجاع ما تم خصمه والاعتذار للعملاء، متهمًا إياه بعدم الشفافية في التعاملات المصرفية.
بدوره، ذكر الطيب عبد الرحمن لـ “سودان تربيون” أن بعض الحسابات خُصمت منها مبالغ كبيرة، وأن الذين يقيمون خارج السودان أيضًا طالتهم عملية الخصم. وأوضح أن بعض هذه الأموال تعود لأقارب داخل البلاد حُولت لهم خوفًا من النهب في المناطق غير الآمنة وحتى في المناطق الآمنة نسبيًا.
في المقابل، قال بنك الخرطوم في رسالة عممت على حسابات العملاء البنكية واطلع عليها “سودان تربيون” : “نود إعلامكم بأن المبلغ الذي تم خصمه من حسابكم طرفنا هو المساهمة السنوية في صندوق ضمان الودائع للحسابات الاستثمارية بكل أنواعها”.
جدل حول قانونية الخصم
وقالت مصادر مصرفية لـ “سودان تربيون” إن تفرد بنك الخرطوم بخصم هذه الرسوم دون بقية المصارف يعني أنها ليست ضمن الرسوم المعتمدة من بنك السودان المركزي. وأكدت أن أي رسوم مصرفية يجب أن تكون ضمن قائمة رسمية صادرة عن البنك المركزي، متهمةً بنك الخرطوم بالهيمنة على القطاع المصرفي في السودان وتنفيذ ما يريده دون مراجعة أو محاسبة.
وفي السياق، قال المحلل المصرفي وليد دليل لـ “سودان تربيون” إن تحديد بنك السودان المركزي لرسوم الخدمات المصرفية يعد أمرًا جوهريًا لضمان استقرار الجهاز المصرفي، وحماية المستهلك من الرسوم العشوائية، وتعزيز الشمول المالي.
وأوضح أن هذه الرسوم المقننة تعمل على موازنة تكاليف البنوك، وتسهيل انسياب الأموال، وتشجيع التحول الرقمي والدفع الإلكتروني، مما يحقق كفاءة في العمليات وإدارة السيولة.
وأضاف أن أهمية تحديد هذه الرسوم تتمثل في حماية المستهلك وتعزيز التحول الرقمي وكفاءة الجهاز المصرفي والسيولة، وتسهيل المعاملات الحكومية، وتعظيم العوائد وتقليل التكاليف.
من جانبه، أوضح الأكاديمي بمدرسة العلوم الإدارية بجامعة الخرطوم د. ياسر موسى برير، في مقال نشره على مواقع التواصل الاجتماعي، أن فكرة ضمان الودائع مهمة في حد ذاتها، لكن الإشكال الحقيقي يكمن في من يتحمل التكلفة وكيف يتم الخصم وما مصير هذه الأموال.
وقال إن الأنظمة المصرفية المستقرة تنشئ صندوق ضمان الودائع بموجب قانون أو نظام أساسي واضح يحدد مصادر التمويل والجهات الملزمة بالدفع، إلى جانب حدود الضمان وآليات التعويض عند التعثر.
وأضاف أن التجارب المصرفية الرشيدة تقضي بأن تتحمل البنوك تكلفة الاشتراك في الصندوق باعتبارها جزءًا من كلفة مزاولة النشاط المصرفي، ولا يتم الخصم مباشرةً من حسابات العملاء، خاصة حسابات الادخار، إلا بنص قانوني صريح ومعلن.
وذكر أن تحميل العميل عبء التمويل دون شفافية يفتح الباب أمام شبهة نقل المخاطر من المؤسسات المالية إلى المودعين، وهو ما يتعارض مع فلسفة الحماية التي أُنشئ الصندوق من أجلها.
وأفاد برير أن الخصم من حسابات الادخار يمثل إشكالًا قانونيًا وأخلاقيًا، خاصة أن هذه الحسابات ليست مخصصة للرسوم أو الخدمات، بل هي وعاء لحفظ أموال الأفراد وغالبًا ما تكون محدودة العائد وموجهة لصغار المودعين.
وأُنشئ صندوق ضمان الودائع المصرفية، بموجب قانون خاص لتحقيق أهداف محددة، أبرزها ضمان الودائع بالمصارف المضمونة، وحماية حقوق المودعين، وجبر الأضرار عند وقوعها، وذلك بتعاون وتكافل السلطات النقدية والمصارف والمودعين أنفسهم، إضافة إلى إنشاء وإدارة محافظ تكافلية.