مستريحة تنزف .. اقتحامٌ يهزّ دارفور ويمزّق النسيج الاجتماعي

مستريحة تنزف .. اقتحامٌ يهزّ دارفور ويمزّق النسيج الاجتماعي

تقرير: مجدي العجب

في مشهدٍ يعكس قسوة الحرب وانفلات السلاح، استيقظت دامرة مستريحة بولاية شمال دارفور على واحدة من أكثر اللحظات إيلامًا في تاريخها القريب، بعد اقتحامٍ مسلح خلّف وراءه جراحًا عميقة في جسد المكان والإنسان. تحوّلت البيوت الآمنة إلى ساحات خوف، وارتفعت سحب الدخان منازلًا كانت حتى الأمس القريب تضج بالحياة. تشير التقارير الواردة من المنطقة إلى سقوط ضحايا من المدنيين، وحدوث انتهاكات جسيمة طالت النساء والأطفال وكبار السن، إلى جانب أعمال حرق وتخريب واسعة للممتلكات. لم يكن ما جرى مجرد حادثة عابرة في سياق صراع محتدم، بل محطة موجعة كشفت هشاشة الأوضاع الأمنية، وعمق المعاناة التي يعيشها الأهالي في مناطق النزاع. أهالي مستريحة، الذين عرفوا ببساطتهم وتماسكهم الاجتماعي، وجدوا أنفسهم فجأة أمام واقع قاسٍ، بين فقدٍ ونزوحٍ وصدمةٍ نفسية ستحتاج إلى سنوات لتضميد آثارها. وبينما تتصاعد الإدانات المحلية والدعوات إلى فتح تحقيق عاجل وشفاف، يبقى السؤال الأكبر: من يحمي المدنيين في خضم هذا الانفلات؟ ومن يوقف دوامة العنف التي لا تفرّق بين هدف عسكري وبيتٍ آمن؟
إن ما حدث في مستريحة يسلّط الضوء مجددًا على ضرورة حماية المدنيين وفقًا للقانون الدولي الإنساني، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في انتهاكات، أياً كانت الجهة. فالعدالة وحدها هي الكفيلة بكسر حلقة الإفلات من العقاب، وإعادة الأمل لمجتمع أنهكته الحرب.

 

 

مواجهات وقصف

أفاد بيان صادر عن مجلس الصحوة الثوري بقيادة الشيخ موسى هلال بأن منطقة مستريحة في ولاية شمال دارفور تعرضت لقصف مكثّف بطائرات مسيّرة، مستهدفًا مستشفى المنطقة ثلاث مرات، ومقر ضيافة رئيس المجلس، بالإضافة إلى منازل المواطنين ومجلس عزاء لأهالي المنطقة، وفق البيان الذي وصف الهجوم بأنه “سلوك بربري وغاشم”. وأكّد البيان، دون تأكيد مستقل من جهات دولية، أن الهجمات أدّت إلى أضرار مادية واسعة في المنشآت المدنية، ودعا إلى الوقوف على “الانتهاكات الجسيمة ضد السكان”. كما نفت مصادر في مجلس الصحوة سقوط ضحايا بين قيادته بعد استهداف مقر الضيافة، مؤكدة بقاء الشيخ موسى هلال بصحة جيدة. وتحمّل مصادر من مجلس الصحوة في بياناتها قوات الدعم السريع مسؤولية هذا القصف، في وقت لم تصدر فيه قوات الدعم السريع تعليقًا رسميًا في ساعة النشر. السياق يأتي في خضم الحرب الأوسع في السودان التي اندلعت في أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، والتي شهدت طوال السنوات الماضية مواجهات في إقليم دارفور ومناطق أخرى وتسببت في نزوح وتشريد آلاف المدنيين.
وتُعدّ مستريحة في شمال دارفور منطقة مضطربة منذ سنوات، وقد شهدت في الماضي مواجهات بين مجموعات قبلية وعسكرية، وكان اسمها يتردّد في سياقات النزاعات الأوسع في الإقليم. وحتى الآن، لم يصدر تأكيد مستقل من منظمات حقوقية أو جهات دولية حول تفاصيل الضحايا أو الخسائر البشرية نتيجة الأحداث الأخيرة في مستريحة.

 

فظائع المليشيا

 

ويرى الأكاديمي والمحلل السياسي دكتور حسن الشايب أن ما حدث في مستريحة لا يمكن التعامل معه كحادثة عابرة في سياق صراع مسلح، بل هو “نقطة سوداء جديدة في سجل الانتهاكات التي يدفع ثمنها المدنيون الأبرياء”. ويؤكد الشايب في حديث لألوان أن التقارير الواردة من المنطقة، والتي تتحدث عن قتل للمدنيين وترويع للأهالي وحرق للمنازل وممتلكات المواطنين، تعكس مستوى خطيرًا من الانفلات الأمني والاستهانة بحياة الناس. ويضيف أن استهداف القرى الآمنة وترويع النساء والأطفال يمثل – وفقًا للقانون الدولي الإنساني – انتهاكات جسيمة تستوجب تحقيقًا عاجلًا ومستقلًا، ومساءلة كل من يثبت تورطه فيها، دون استثناء أو حصانة. ويشدد على أن استمرار مثل هذه الأفعال يهدد النسيج الاجتماعي في دارفور، ويعمّق جراحًا تاريخية لم تلتئم بعد.
ويصف الشايب ما جرى بأنه “فظائع لا يمكن تبريرها بأي ذريعة عسكرية أو سياسية”، محذرًا من أن الإفلات من العقاب سيقود إلى مزيد من الدمار والانقسام. ويرى أن حماية المدنيين يجب أن تكون أولوية قصوى لكل الأطراف، وأن الصمت تجاه ما يحدث يفتح الباب أمام تكرار المأساة في مناطق أخرى.
وختم حديثه لنا قائلا: إن العدالة والاحتكام إلى القانون وحدهما الكفيلان بوقف دوامة العنف، وإن مستقبل السودان لن يُبنى على أنقاض القرى المحروقة، بل على دولة مؤسسات تحمي مواطنيها وتصون كرامتهم.

 

تمزيق النسيج الاجتماعي

 

ويقول سياسيون ومراقبون أن اقتحام مستريحة مزّق النسيج الاجتماعي وأعاد شبح الفتنة إلى دارفور. ويرى سياسيون ومراقبون للشأن السوداني أن اقتحام منطقة مستريحة شكّل ضربة موجعة للنسيج الاجتماعي في الإقليم، وأعاد إلى الأذهان صور الانقسام الأهلي الذي عانت منه دارفور لسنوات. وبحسب هؤلاء، فإن ما جرى لم يكن مجرد عملية عسكرية عابرة، بل حدثٌ ترك آثارًا نفسية واجتماعية عميقة بين المكونات المحلية التي ظلت تتعايش رغم تعقيدات الصراع. ويشير مراقبون الذين استطلعتهم ألوان إلى أن استهداف المناطق السكنية وترويع المدنيين يدفع المجتمعات إلى الانكفاء على ذاتها، ويغذّي خطاب الكراهية والاصطفاف القبلي، الأمر الذي يهدد فرص المصالحة والاستقرار على المدى البعيد. كما يحذرون من أن أي انتهاكات تقع بحق المدنيين، أيًا كانت الجهة المسؤولة عنها، تؤدي إلى تقويض الثقة بين المواطنين والدولة، وتفتح الباب أمام دورات جديدة من العنف والثأر. ويؤكد محللون أن إعادة ترميم النسيج الاجتماعي تتطلب أكثر من مجرد وقف العمليات العسكرية؛ فهي تحتاج إلى مسار عدالة واضح، ومحاسبة شفافة، ومبادرات جادة للمصالحة المجتمعية، إضافة إلى حماية حقيقية للمدنيين. فالمعركة – برأيهم – لم تعد فقط معركة سلاح، بل معركة ثقة وهوية ومستقبل مشترك. ويخلص هؤلاء إلى أن استمرار مثل هذه الأحداث في دارفور يهدد بإطالة أمد الأزمة الوطنية، ويجعل من تحقيق السلام الشامل مهمة أكثر تعقيدًا، ما لم تُتخذ خطوات عاجلة لاحتواء التداعيات الاجتماعية والسياسية لما جرى.