إبراهيم شقلاوي يكتب: جبريل بين البدلة والبندقية

وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي

جبريل بين البدلة والبندقية..!

الدكتور جبريل إبراهيم يُعدّ أحد أبرز الفاعلين إثارةً للجدل في تقاطعات السياسة السودانية والاقتصاد والأمن، حيث يتقدم موقعه في قلب المشهد باعتباره رقمًا لا يمكن تجاوزه في معادلاته المعقدة. ويأتي ذلك امتدادًا لبيئة سياسية وفكرية تشكلت داخل مدرسة الإسلاميين، وإن اختلف السياق وتبدلت أدوات الفعل. وفي هذا الإطار، تتداخل الرموز السياسية بالوقائع، وتتشابك الوظيفة مع الدلالة، لتغدو التفاصيل الصغيرة قابلة لأن تتحول إلى إشارات سياسية كبرى، مفتوحة على التأويل والتوظيف .

في هذا المقال نحاول مقاربة هذه الشخصية في ظل تعقيدات الواقع ، حيث يصعب الفصل بين الفاعل وسياق الفعل، وبين الموقع ودلالاته، في قراءة تسعى إلى تفكيك الصورة لفهم بنيتها ، لا الاكتفاء بسطحها الظاهر.

خلال الأيام الماضية، تصاعدت موجة من التداول الإعلامي حول تحركات عسكرية مزعومة مرتبطة بـحركة العدل والمساواة نحو الخرطوم، بالتوازي مع إعادة نشر مقطع مصور لرئيسها يتحدث فيه عن مشروعه السياسي وآفاق الانتقال نحو الانتخابات. في ظاهر الأمر، يبدو الحديث في إطاره الطبيعي كخطاب سياسي لفصيل موقّع على اتفاق سلام، يسعى إلى تثبيت موقعه داخل المعادلة الوطنية. لكن إعادة تركيب المقاطع، وفصله عن سياقه ، ثم دمجه مع مقطع لاحد الجنود يتحدث عن استهداف الخرطوم ومبانيها وغليان مياه النيل وتبخيرها ذلك ، يكشف عن نمط مألوف في إثارة الفتنة و صناعة الشك عبر تفكيك المعنى وتوظيفه للشيطنة والهدم .

في هذا السياق، لا تبدو الحملة مجرد اختلاف حول معلومة أو موقف، بل أقرب إلى إعادة تشكيل لصورة فاعل سياسي يُراد وضعه تحت ضغط دائم. فـجبريل، الذي يشغل رأس وزارة المالية، لا يُستهدف فقط بصفته قائدًا سياسيًا، بل أيضًا بصفته ممسكًا بمفصل اقتصادي بالغ الحساسية في زمن حرب تستنزف الدولة وتعيد توزيع مواردها على نحو قاسٍ ومفتوح.

بحسب ما يتردد في دوائر سياسية واقتصادية، اتجهت إدارة الوزارة نحو تشديد الرقابة على أوجه الصرف العام وإعادة ترتيب الأولويات المالية بما يضمن الحد الأدنى من استمرارية الدولة في مواجهة الحرب. هذا النوع من السياسات، في سياق دولة مأزومة، يُقرأ كفعل سياسي يعيد رسم خرائط النفوذ داخل السلطة. فحين يُعاد ضبط الإنفاق، تُعاد تلقائيًا هندسة علاقات القوة، وتُمسّ مصالح شبكات اعتادت العمل في هوامش أقل انضباطًا.

ومن هنا تتولد الحساسية تجاه موقع الوزير او ربما الاستهداف . فالدور التقليدي في الوزارة يميز بين الوزير بوصفه صانع السياسات العامة، والوكيل بوصفه منفذًا لها ، لكن في الواقع السوداني الراهن ، يتجاوز تأثير الوزير حدود التوجيه إلى إعادة تشكيل الأولويات الكبرى للدولة، وهو ما يجعله في مواجهة مباشرة مع مراكز نفوذ لا ترى في الانضباط المالي فضيلة بقدر ما تراه تهديدًا لمصالحها الانتهازية .

على المستوى السياسي ، تتقاطع هذه المعركة مع سؤال التحول غير المكتمل داخل حركة العدل والمساواة . فالحركة، وإن كانت لم تُنجز بعد انتقالها الكامل إلى العمل المدني، تظل من بين الحركات الموقعة على سلام جوبا الأقرب إلى هذا التحول، بحكم امتلاكها لبنية تنظيمية أكثر تماسكًا ومشروع سياسي قابل للتمدّد . غير أن هذا الانتقال المعلّق يضعها في منطقة رمادية، لا هي عسكرية خالصة يمكن التعامل معها بمنطق الحرب، ولا هي حزب مدني مكتمل يمكن إدماجه بسهولة في المشهد الديمقراطي.

في هذه المنطقة الرمادية تحديدًا تتكثف الإشكالية . فظهور جبريل في مناسبات متعددة مرتديًا الزي العسكري منذ سقوط الفاشر، يفتح بابًا واسعًا للتأويل، كإشارة سياسية غير مباشرة حول طبيعة الموقع الذي يشغله. في السياقات الانتقالية، لا يكون الزي مجرد اختيار شخصي، بل جزءًا من رسالة سياسية . فالبدلة تعني انخراطًا في منطق الدولة المدني، بينما الزي العسكري يعزز استمرار منطق القوة المسلحة كأداة للفعل السياسي.

هذا التباين البصري ، يخلق مساحة ارتباك لدي الرأي العام ، ويمنح خصوم الرجل مادة جاهزة لتغذية سرديات الشك حول موقعه ودوره.

بقي ان نشير الي ان، حركة العدل والمساواة نفت في بيان صحفي اليوم صحة الأنباء المتداولة حول تحريك قواتها نحو الخرطوم، ووصفتها بأنها “أخبار كاذبة” ضمن حملة تستهدف تشويه صورتها وإرباك المشهد العام. وأكدت التزامها بتوجيهات القوات المسلحة، وأن أي تحركات لقواتها تتم حصراً عبر القيادة العامة للجيش وفي إطار التنسيق العسكري الوطني.

كما شددت على أن ما يُتداول يهدف إلى إضعاف الجبهة الداخلية، مشيرة إلى أن الحملة طالت أيضًا رئيسها جبريل إبراهيم بصفته وزيرًا للمالية عبر معلومات وصفتها بالمضللة، ودعت إلى تحري الدقة وعدم الانسياق وراء الأخبار غير الموثوقة، مؤكدة أن بياناتها تصدر من منصاتها المعتمدة.

بحسب #وجه_الحقيقة تبدو حملات التشكيك أقرب إلى توظيف سياسي للظرف العام، حيث تتحول التباينات الطبيعية في الأداء والموقع إلى أدوات ضغط تستهدف إعادة توزيع النفوذ لا تصحيح المسار. وبين النقد المشروع والانتهازية السياسية ونشاط الطابور الخامس ، تظل الحاجة قائمة إلى قراءة أكثر توازنًا، تميز بين الخلاف حول السياسات ومحاولات الإقصاء عبر التشويه، خاصة في لحظة انتقالية لا تحتمل إعادة إنتاج الصراع .
دمتم بخير وعافية
الخميس 30 أبريل2026م Shglawi55@gmail.com