حظر استيراد السلع الكمالية .. معركة كبح الدولار ومحاربة السوق السوداء

تقرير: ألوان

في ظل ضغوط اقتصادية متصاعدة وتدهور مستمر في قيمة العملة الوطنية، تتجه الحكومة السودانية إلى سياسات تقشفية أكثر صرامة تستهدف تقليل الطلب على النقد الأجنبي، في محاولة للسيطرة على انفلات سوق الصرف الموازي. غير أن هذه الخطوات تفتح الباب أمام جدل واسع حول جدواها الاقتصادية وتداعياتها على الأسواق والمعيشة. وحظر مجلس الوزراء استيراد أكثر من 40 سلعة كمالية وغير ضرورية، للحد من انفلات سعر الصرف في الأسواق الموازية، وتشجيع الصناعات المحلية ودعم الاقتصاد الوطني، فيما لاقى القرار رفضاً حاداً من الغرفة القومية للمستوردين التي لوّحت بإلغائه قضائياً. وأصدر مجلس الوزراء القرار رقم (174) لسنة 2026م، في الثاني عشر من أبريل الجاري؛ استناداً إلى توصيات اللجنة المكلفة بوضع مقترحات للحد من تراجع قيمة العملة الوطنية، وموجهات اللجنة الاقتصادية العليا، إلى جانب تقرير قدمته وزارة الصناعة والتجارة في هذا الشأن.

 

 

وشمل القرار حظر استيراد أكثر من 40 سلعة، من بينها الألبان الجاهزة – باستثناء لبن البودرة ولبن الأطفال – وبعض الصناعات الغذائية، والبسكويت، والحلويات، والمربات، والمياه المعدنية والغازية، والعصائر الجاهزة، والسيراميك والرخام، والمنسوجات، والأثاثات، والخضروات والفواكه، وملح الطعام، والإندومي، والدهانات، وصابون الغسيل والحمام، ومستحضرات التجميل، إلى جانب سلع أخرى اعتُبرت كمالية أو غير ذات أولوية. كما وجّه القرار وزارات شؤون مجلس الوزراء، والصناعة والتجارة، والمالية، والإدارة العامة للجمارك، والجهات ذات الصلة، باتخاذ التدابير اللازمة لتنفيذ القرار فوراً، في إطار تخفيف الضغط على موارد النقد الأجنبي وتقليل الطلب على السلع غير الضرورية.
وفي الأثناء، قالت وسائل إعلامية إن وزارة الصناعة والتجارة راجعت القائمة الأولية وسحبت بعض السلع من الحظر، بينها الأرز والصلصة ومدخلات الإنتاج والإسمنت، على أن توضح القائمة النهائية وموعد التنفيذ في مؤتمر صحفي مرتقب.
بالمقابل تشهد الأسواق الموازية للعملات تصاعداً كبيراً في سعر الصرف، حيث تخطى الجنيه حاجز الأربعة آلاف مقابل الدولار الواحد، مع تزايد الطلب على النقد الأجنبي في ظل ارتفاع أسعار الوقود عالمياً وحاجة شركات الاستيراد للعملات الأجنبية.
وأكد المحلل الاقتصادي عبد العظيم المهل لـ “سودان تربيون” أن أهمية القرار تعتمد على وزن السلع المحظورة في ميزان المدفوعات، موضحاً أنه إذا كانت تمثل نسبة كبيرة من الواردات فقد يسهم القرار في تقليل الطلب على النقد الأجنبي، لكنه حذر من تداعيات محتملة تشمل تنامي التهريب ونشاط السوق السوداء إذا لم تتوافر بدائل محلية كافية.
وفي أول رد فعل على القرار، أعلنت الغرفة القومية للمستوردين رفضها للحظر، ووصفت الخطوة بأنها “كارثية وغير مدروسة”، محذرة من انعكاساتها على الأوضاع المعيشية للمواطنين وخلق ندرة في السلع وتشجيع الاحتكار والتهريب.
وقال رئيس الغرفة الصادق جلال الدين في تصريح صحفي إن معالجة أزمة سعر الصرف بحظر سلع لا تمثل ثقلاً في الميزان التجاري تُعد “معالجة سطحية”، مشيراً إلى أن بعض السلع المشمولة بالحظر تحقق إيرادات للدولة تفوق قيمتها، وأن وقف استيرادها قد يؤدي إلى عجز في الإيرادات العامة بدلاً من تحسين المؤشرات الاقتصادية.
وأضاف أن القرار صدر – بحسب قوله – قبل اكتمال عمل الفريق الاقتصادي المكلف بدراسة معالجات الصادرات والواردات، منتقداً ما وصفه بإدراج “نظام الحصص” ضمن ترتيبات القرار، ومعتبراً أنه يفتح الباب أمام الفساد ويقود إلى تقليص المنافسة وخلق سوق موازية للسلع المحظورة.
وحذر من أن القرار قد يؤدي إلى زيادة التهريب والتوسع في السوق السوداء، إلى جانب الإضرار بالتبادل التجاري والاستثمار، مطالباً رئيس الوزراء بمراجعة القرار والتراجع عنه، ولوّح باللجوء إلى القضاء للطعن فيه إذا لم يتم إلغاؤه.
وكان وزير المالية جبريل إبراهيم وجّه الأسبوع الماضي الجهات المختصة بوضع معالجات عاجلة لمشكلات الصادرات والواردات بهدف تنشيط الاقتصاد.
وأفاد بنك السودان المركزي في تقرير الموجز الإحصائي للتجارة الخارجية لعام 2025 بأن إجمالي الصادرات السودانية بلغ نحو 2.64 مليار دولار، مقابل واردات بقيمة 6.49 مليار دولار، مما أسفر عن عجز تجاري بلغ نحو 3.86 مليار دولار.
ويرى محللون اقتصاديون أن قرار مجلس الوزراء السوداني بحظر استيراد أكثر من 40 سلعة كمالية وغير ضرورية يأتي في إطار محاولات الحكومة للحد من الضغط المتزايد على النقد الأجنبي وكبح جماح سوق الصرف الموازي، إلا أن فعاليته تبقى مرهونة بمدى ارتباط السلع المحظورة فعلياً بحجم الواردات المؤثرة في الميزان التجاري. ويشير المحللون إلى أن هذه الخطوة قد تُسهم على المدى القصير في تقليل الطلب على الدولار، لكنها في المقابل قد تفتح الباب أمام تحديات اقتصادية معقدة، أبرزها احتمال توسع نشاط التهريب وازدهار السوق السوداء في حال عدم توفر بدائل محلية قادرة على سد الفجوة.
كما يحذر مختصون من أن الإجراءات الأحادية في ضبط الاستيراد، دون إصلاحات موازية في الإنتاج المحلي والسياسات النقدية، قد لا تحقق النتائج المرجوة، بل قد تؤدي إلى اختلالات في الإمدادات وارتفاع في الأسعار داخل السوق المحلية.
ويؤكد هؤلاء أن نجاح القرار يتوقف على تنفيذه ضمن رؤية اقتصادية متكاملة تشمل دعم الإنتاج المحلي، وضبط الواردات ذات الأولوية، ومعالجة جذور أزمة النقد الأجنبي وليس فقط أعراضها.