
واحة للصائمين والقائمين وأصحاب الأعذار (16) .. عناوين مباركة قبل الوداع
ولألوان كلمة
حسين خوجلي
واحة للصائمين والقائمين وأصحاب الأعذار (16)
عناوين مباركة قبل الوداع
الشاكرون دائماً في المقدمة
روي أن داؤود عليه السلام قال: إلهي كيف أشكرك وشكري لك نعمة من عندك، فأوحى الله تعالى إليه: الآن قد شكرتني.
وفي هذا يقال: الشكرعلى الشكر أتم الشكر.
وللشاعر محمود الوراق في ذلك:
إِذا كانَ شُكري نِعمَةَ اللَهِ نِعمَةً
عَلَيَّ لَهُ في مِثلِها يَجِبُ الشُكرُ
فَكَيفَ بلوغُ الشُكرِ إِلّا بِفَضلِهِ
وَإِن طالَتِ الأَيّامُ وَاِتَّصَلَ العُمرُ
إِذا مُسَّ بِالسَرّاءِ عَمَّ سُرورُها
وَإِن مُسَّ بِالضَرّاءِ أَعقَبَها الأَجرُ
وَما مِنهُما إِلا لَهُ فيهِ نِعمَةٌ
تَضيقُ بِها الأَوهامُ وَالبرُّ وَالبَحرُ
عندما يصير الشعر شعارات
دخل على المهدي أعرابي فقال له: فيم جئت؟
قال: أتيتك برسالة قال: هاتها. قال: أتاني آت في منامي فقال: إئت أمير المؤمنين فأبلغه هذه الأبيات::
لكم أرث الخلافة من قريش
تزفّ إليكمو أبدا عروسا
إلى هارون تهدى بعد موسى
تميس وما لها أن لا تميسا
فقال المهدي: يا غلام، عليّ بالجواهر، فحشا فاه حتى كاد ينشق، ثم قال: اكتبوا هذه الأبيات واجعلوها في بخانق صبياننا.
قال إبراهيم الموصلي في تهنئة الرشيد بالخلافة:
ألم تر أنّ الشمس كانت مريضة
فلما أتى هارون أشرق نورها
تلبّست الدنيا جمالا بملكه
فهارون واليها ويحيى وزيرها
وغنّاه بهما من وراء الحجاب، فوصله بمائة ألف دينار ويحيى بخمسين ألفا.
عليكم بالأدب فهو المنجاة من سيف الحجاج القديم والمعاصر
وأمر الحجاج بإحضار رجل من السجن فلما حضر أمر بضرب عنقه فقال: أيها الأمير أخرني إلى غد، قال وأي فرج لك في تأخير يوم واحد؟ ثم أمر برده إلى السجن فسمعه الحجاج في السجن يقول:
عسى فرج يأتي به الله إنّه
له كلّ يوم في خليقته أمر
فقال الحجاج: والله ما أخذه إلا من كتاب الله وهو قوله تعالى: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} وأمر بإطلاقه.
ما بين الرحمة النسبية والرحمة المُطلقة
وقال سفيان الثوري: سمعت أعرابياً يقول: اللهم إن كان رزقي في السماء، فأنزله، وإن كان في الأرض فأخرجه، وإن كان بعيدا فقربه، وإن كان قريبا فيسره، وإن كان قليلا فكثره، وإن كان كثيرا فبارك لي فيه.
وقال أبو نواس:
أحببت من شعر بشار وكلمته
بيتا لهجت به من شعر بشار
يا رحمة الله حلّي في منازلنا
وجاورينا فدتك النفس من جار
وكان بشار يعني بذلك جارية بصرية كان يحبها ويتغزل بها، ونعني بها هنا رحمة الله التي وسعت كل شيء.
غضبٌ وغضب
أحب الناس إلى الله من سأله وأبغض الناس إلى الناس من احتاج إليهم وسألهم، وفي هذا المعنى قيل:
لا تسألنّ من ابن آدم حاجة
وسل الذي أبوابه لا تحجب
الله يغضب إن تركت سؤاله
وبنيّ آدم حين يسأل يغضب
وكيف السبيل وقد سَد الأشرار والفجار الأفق؟
فينبغي للإنسان أن يجتنب معاشرة الأشرار ويترك مصاحبة الفجار ويهجر من ساءت خلته وقبحت بين الناس سيرته. قال الله تعالى: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ} لذلك يجب عليه أن لا يصحب إلا من له دين وتقوى، فإن المحبة في الله تنفع في الدنيا والآخرة وما أحسن ما قال بعضهم:
وكلّ محبّة في الله تبقى
على الحالين من فرج وضيق
وكلّ محبّة فيما سواه
فكالحلفاء في لهب الحريق
عشاق رمضان نعم العاشقين
قال الحافظ ابن رجب الحنبلي: (يا شهر رمضان ترفَّق، دموع المحبين تدفَّق، قلوبهم من ألم الفراق تشقق، عسى وقفة للوداع تطفئ من نار الشوق ما أحرق، عسى ساعة توبةٍ وإقلاعٍ ترفو من الصيام كل ما أحرق، عسى منقطعٌ عن ركب المقبولين يلحق، عسى أسير الأوزار يُطلق، عسى من استوجب النار يُعتق، عسى رحمة المولى لها العاصي يُوَفَّق) .
وفي وداع رمضان يقول الشاعر مُؤَيَّد حجازي:
يا خير من نزلَ النفوسَ أراحلُ
بالأمسِ جئتَ فكيفَ كيفَ سترحلُ
بكتِ القلوبُ على وداعك حرقةً
كيف العيونُ إذا رحلتَ ستفعلُ
من للقلوبِ يضمها في حزنها
من للنفوس لجرحها سيعلّلُ
ما بال شهر الصومِ يمضي مسرعاً
وشهورُ باقي العام كم تتمهّلُ
عشنا انتظارك في الشهورِ بلوعةٍ
فنزلتَ فينا زائراً يتعجّلُ
ها قد رحلت أيا حبيبُ، وعمرنا
يمضي ومن يدري أَأَنتَ ستقبلُ
فعساكَ ربي قد قبلت صيامنا
وعساكَ كُلَّ قيامنا تتقبَّلُ
يا ليلة القدر المعظَّمِ أجرها
هل اسمنا في الفائزينَ مسجّلُ؟
كم قائمٍ كم راكعٍ كم ساجدٍ
قد كانَ يدعو الله بل يتوسلُ
أعتقْ رقاباً قد أتتكَ يزيدُها
شوقاً إليكَ فؤادُها المتوكِّلُ
فاضت دموعُ العين من أحداقها
وجرت على كفِّ الدُّعاءِ تُبلِّلُ
يا من تحبُّ العفو جئتُكَ مذنباً
هلاَّ عفوتَ فما سواكَ سأسألُ
هلاّ غفرتَ ذنوبنا في سابقٍ
وجعلتنا في لاحقٍ لا نفعلُ
يا سعدنا إن كانَ ذاكَ محقّقاً
يا ويلنا إن لم نفزْ أو نُغسَلُ
بكت المساجدُ تشتكي عُمَّارها
كم قَلَّ فيها قارئٌ ومُرتِّلُ
هذي صلاةُ الفجرِ تحزنُ حينما
لم يبقَ فيها الصفُّ إلا الأولُ
هذا قيامُ اللِّيلِ يشكو صَحْبَهُ
أضحى وحيداً دونهم يتململُ
كم من فقيرٍ قد بكى متعففاً
مَنْ بعدَ شهر الخير عنهم يسألُ؟
يا من عبدتم ربكم في شهركم
حتى العبادةَ بالقَبولِ تُكَلَّلُ
لا تهجروا فعلَ العبادةِ بعدَه
فلعلَّ ربي ما عبدتم يقبلُ
يا من أتى رمضانُ فيكَ مطهِّراً
للنَّفسِ حتى حالها يتبدَّلُ
يمحو الذُّنوبَ عن التقيِّ إذا دعا
ويزيدُ أجرَ المحسنينَ ويُجزِلُ
هل كنتَ تغفلُ عن عظيمِ مرادِه
أم معرضاً عن فضلِه تتغافلُ
إن كنتَ تغفلُ فانتبهْ واظفرْ به
أما التغافلُ شأنُ من لا يعقِلُ
فالله يُمهلُ إنْ أرادَ لحكمةٍ
لكنه ياصاحبي، لا يُهمِلُ
إن كانَ هذا العامَ أعطى مهلةً
هل يا تُرى في كُلِّ عامٍ يُمهِلُ؟
لا يستوي من كان يعملُ مخلصاً
هوَ والذي في شهره لا يعملُ
رمضانُ لا تمضي وفينا غافلٌ
ما كان يرجو الله أو يتذلَّلُ
حتى يعودَ لربه متضرِّعاً
فهو الرحيمُ المنعمُ المُتفضّلُ
وهو العفوُّ لمن سيأتي نادماً
عن ذنبهِ في كلِّ عفوٍ يأملُ
رمضانُ لا أدري أعمري ينقضي
في قادم الأيامِ أم نتقابلُ!
فالقلبُ غايةَ سعدِهِ سيعيشُها
والعين في لقياكَ سوف أُكحِّلُ