
وما أشبه الليلة بالبارحة..!!
ولألوان كلمة
حسين خوجلي
وما أشبه الليلة بالبارحة..!!
في أزمنة السقوط العربي الماثلة في الحاكمية والنخبة والفكرة تتساقط كل العروش وآخر عرش يسقط هو عرش الكلمة، ولأننا نعيش في هذه الأيام زمان السقوط، فإني أحدق في قنوات السُلطان العربي وتوابعه الخاصة فلا أجد إلا العبارة الخنثى وهروب التعليق والصورة من ملامسة الجرح بسبب الخوف العُريان المُغطى (بسلوفان) الهزيمة والانكسار.
ومن أبلغ ما قابلني حول هذا الصمت المُريب في أزمنة السقوط، أن وفداً من الروم زار بغداد وكانت الدولة العباسية حينها تستعد لمرحلة الأفول والإذن بالانصراف، أقام يومها الخليفة مأدبة فاخرة لوفد الروم بحضور الأمراء والوزراء والقضاة وأعيان بغداد ومن بين ما قٌدم من صنوف الطعام والشراب خمراً مُعتقاً كان في صدارة المأدبة، فقال كبير الروم مُعلقاً وطاعِناً في عقيدة الخليفة وتنازلاته: ما دمتم يا أمير المؤمنين قد قدمتم لنا الخمر فلم لم تقدموا لنا لحم الخنزير؟ ولأن السؤال كان مُحرجاً وقاسياً وفاضحاً فقد أمسك الخليفة والأمراء والوزراء والقضاء عن الإجابة والفتوى، ومرت برهة من الصمت كأنها دهراً، ولحُسن حظنا وحظهم أن الشاعر أبو العيناء الضرير الحاذق الخليع غير المبالي كان حاضراً، وقد لَحَظَ طول صمت الخليفة والحاشية، وكبير الروم ينظر الإجابة في لؤم، هنا رفع أبو العيناء عقريته في صوت داوٍ قائلاً: يا كبير الروم إننا لم نقدم لكم لحم الخنزير لأننا وجدنا بديلاً في لحوم الإبل والبقر والضأن بيد أننا لم نجد بديلاً للخمر!!
قال لنا أستاذنا الراحل الشاعر عبدالله الشيخ البشير تُرى ما هو العنوان الذي يصلُح مسمى لهذه الحكاية؟ فقلت له مقترحاً: (دائماً هنالك إجابة).
من حكايات الحقائق والرقائق
حكى بعضهم قال: دخلنا إلى دير هرقل فنظرنا إلى مجنون في شباك وهو ينشد شعرا فقلنا له: أحسنت، فأومأ بيده إلى حجر يرمينا به وقال: ألمثلي يقال أحسنت، ففررنا منه فقال: أقسمت عليكم إلا ما رجعتم حتى أنشدكم فإن أحسنت فقولوا أحسنت وان أنا أسأت فقولوا أسأت. فرجعنا إليه فأنشد يقول:
لما أناخوا قبيل الصبح عيسهمو
وحمّلوها وسارت بالدمّى الإبل
وقلبّت بخلاف السجف ناظرها
يرنو إلي ودمع العين ينهمل
وودعت ببنان زانه عنم
ناديت لا حملت رجلاك يا جمل
يا حادي العيس عرّج كي أودعهم
يا حادي العيس في ترحالك الأجل
إني على العهد لم أنقص مودّتهم
يا ليت شعري لطول البعد ما فعلوا
فقلنا له: ماتوا. فقال: والله وأنا أموت! ثم شهق شهقة فإذا هو ميت رحمه تعالى.
الحُطيئة بعد أن هذبه الإسلام
وَلَستُ أَرى السَعادَةَ جَمعَ مالٍ
وَلَكِنَّ التَقيَّ هُوَ السَعيدُ
وَتَقوى اللَهِ خَيرُ الزادِ ذُخراً
وَعِندَ اللَهِ لِلأَتقى مَزيدُ
وَما لا بُدَّ أَن يَأَتي قَريبٌ
وَلَكِنَّ الَّذي يَمضي بَعيدُ
رحل شوقي وبقي الشعر جمالاً وكمالاً وجلالاً
نفى الإنجليز أحمد شوقي رحمه الله إلى إسبانيا، فاستلهم أبيات ابن الخطيب:
جادَكَ الغيثُ إذا الغيثُ همَى
يا زمانَ الوَصلِ بالأندلسِ
لم يكُنْ وَصْلُكِ إلا حُلُمَا
في الكَرَى أو خِلْسَة المُختلسِ
فقال أمير الشعراء واصِفاً آلامَ غُربتِه:
مَنْ لِنَضْوٍ يَتنَزّى ألَمَا
بَرِحَ الشّوقُ به في الغَلَسِ
حَنّ للْبَانِ وناجَى العَلَمَا
أينَ شَرقُ الأرضِ مِن أندلُسِ
بُلبُلٌ عَلَّمَهُ البَينُ البَيان
باتَ في حَبلِ الشُجونِ اِرتَبَكا
في سَماءِ اللَيلِ مَخلوعَ العِنان
ضاقَتِ الأَرضُ عَلَيهِ شَبَكا
كُلَّما اِستَوحَشَ في ظِلِّ الجِنان
جُنَّ فَاِسَتَضحَكَ مِن حَيثُ بَكى