مستطرف ألوان في الحكم واللطائف والبيان

ولألوان كلمة

حسين خوجلي

مستطرف ألوان في الحكم واللطائف والبيان

حين يصير البكري وأحمد شرفي مُستحيلاً

في كل يوم تدفن الجاليات السودانية مجموعة من الموتى السُمر في بلدان المِهجر مئات قُبروا بالقاهرة ومئات قُبِروا في تركيا وأمثالهم في بريطانيا وأمريكا وكمبالا وإثيوبيا وطرابلس والسعودية والخليج وأقطار لم يسمع السودانيين بها وما كانوا يظنون يوماً أن الزمان سيرميهم المراميا.
وفي ليلة قارصة قَبرنا أحد الأصدقاء في مقابر بلبيس بالشرقية وبعد أن ترحمنا عليه وزرفنا الدموع الغِزار على الصداقة والوطن قصصتُ على المرافقين لي في طريق العودة صوب القاهرة حكاية أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان الذي كل ما نادم فقيهاً أو شاعراً أو كاتباً أو ظريفاً سأله عن أعجب الأحداث التي مرت به في حياته، ولو جُمِعت أسئلة معاوية وإجابات هؤلاء الحكماء لصارت كتاباً يُستفاد من لغته ومن حكمته ومن غرائبه ومن استدلالاته التي تنفع في التدبر ومصارعة شؤون هذه الفانية.
قيل أن عبيد بن سرية الجرهمي دخل على معاوية رضي الله عنه بالشام فقال له معاوية: حدثني بأعجب ما رأيت، قال: مررت ذات يوم بقوم يدفنون ميتاً لهم، فلما انتهيت إليهم اغرورقت عيناي بالدموع، فتمثلت بقول الشاعر:
يا قلب إنك من أسماء مغرور
فاذكر، وهل ينفعك اليوم تذكير
قد بحت بالحب ما تخفيه من أحد
حتى جرت لك إطلاق محاضير
لست تدري، و ما تدري أعاجلها
أدنى لرشدك أم ما فيه تأخير
فاستقدر الله خيرا و ارضين به
فبينما العسر إذ دارت مياسير
وبينما المرء في الأحياء مغتبط
إذ صار في الرمس تعفوه الأعاصير
يبكي الغريب عليه ليس يعرفه
و ذو قرابته في الحي مسرور

فقال لي رجل: أتدري من هو قائل هذا الشعر؟
قلت: لا.
قال: إنّ قائله هذا الذي دفناه الساعة، وأنت الغريب الذي تبكي عليه و لست تعرفه، وبعض الذين ساروا عن قبره مُبتعدين مُغتبطين هم أقربهم إليه رحماً وظل يردد أبيات الفقيد باكياً:
و بينما المرء في الأحياء مغتبط
إذ صار في الرمس تعفوه الأعاصير
يبكي الغريب عليه ليس يعرفه
و ذو قرابته في الحي مسرور

 

الآية التي شَرَّحت الأزمة والنكسة والنكبة والهزيمة

 

‏سئل أحد العلماء:
ما الذي أوصل حال المسلمين إلى هذه الدرجة من الذل والهوان وتكالب الأعداء ؟
فرد: عندما فضلنا الثمانية على الثلاثة.
فسئل : ما هي الثمانية ؟ وما هي الثلاثة ؟
فتلا الآية الكريمة:
{قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}

تأملوا عبارة شرف الدنيا وكرامة الآخرة

 

عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: أتيتُ النَّبيَّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- عاشرَ عشرةٍ، فقال رجلٌ من الأنصارِ: من أكيَسُ النَّاسِ وأكرمُ النَّاسِ يا رسولَ اللهِ؟ فقال: (أكثرُهم ذِكرًا للموتِ وأشدُّهم استعدادًا له أولئك هم الأكياسُ ذهبوا بشرفِ الدُّنيا وكرامةِ الآخرةِ).

 

حساسية الكبار

 

‏كان إبراهيم النخعي أعور العين وكان تلميذه سليمان بن مهران أعمش العين( يعني ضعيف البصر).
سارا يوماً في إحدى طرقات الكوفه يريدان الجامع وبينما هما يسيران في الطريق قال إبراهيم
النخعي: يا سليمان هل لك أن تأخذ طريقاً وأخذ آخر، فإني أخشى إن مررنا سوياً بسفهائها ، ليقولون أعور ويقود أعمش فيغتابوننا ويأثمون.
فقال الأعمش: يا أبا عمران ؛ وما عليك نحن نؤجر وهم يأثمون فقال إبراهيم النخعي: يا سبحان الله!
بل نسلم ويسلمون خير من أن نؤجر ويأثمون.

 

أدلة ودلائل

يقال: القناعة دليل الأمانة، والأمانة دليل الشكر، والشكر دليل الزيادة، والزيادة دليل بقاء النعمة، والحياء دليل الخير كله.

من العبارات التي ما زالت في ذاكرتي (اقتله بالمعروف)، وفي هذا الباب الكثير من المعارف والمعاني ومنها.
قال: لقمان لابنه: يا بني ثلاثة لا يعرفون إلا عند ثلاثة:
لا يعرف الحليم إلا عند الغضب، ولا الشجاع إلا عند الحرب، ولا أخوك إلا عند الحاجة إليه.

ومن أشعر بيت قيل في الحلم قول كعب بن زهير:
إذا أنت لم تعرض عن الجهل والخنا
أصبت حليما أو أصابك جاهل

وقال آخر:
وإذا بغى باغ عليك بجهله
فاقتله بالمعروف لا بالمنكر

وقال آخر:
قل ما بدا لك من صدق ومن كذب
حلمي أصم وأذني غير صماء

من رزائل البشر التي لا تُطاق لا قولاً ولا ممارسة الشماته وقد عرفها أهل اللغة في تفسير مبسط يصلح للعامة والخاصة
هي أن الشماتة الفرح والسرور بمصيبة، بليّة، أو ضرر يحل بالغير.

قيل لأيوب عليه السلام: أي شيء كان عليك في بلائك أشد؟ قال: شماتة الأعداء.

وأنشد الجاحظ:
تقول العاذلات تسلّ عنها
وداو عليل قلبك بالسلو
وكيف ونظرة منها اختلاسا
ألذّ من الشماتة بالعدو

وقال ابن أبي جهينة المهلبي:
كل المصائب قد تمر على الفتى
فتهون غير شماتة الأعداء
وقال الجاحظ: ما رأيت سنانا أنفذ من شماتة الأعداء.