
حسين خوجلي يكتب: أمسيات
ولألوان كلمة
حسين خوجلي
أمسيات
عادت المساء فعادت للوجوه الابتسامة وعاد للأعين البريق
اتصل بي أحد الأصدقاء، وكنت قد كلفته بمراجعة الثلاثية الإعلامية (صحيفة ألوان وإذاعة المساء وقناة أمدرمان الفضائية)، هذه المنظومة التي أنفقنا عمرنا كله في تأسيسها لبنة لبنة، واعتصرنا فيها تجاربنا ومحبتنا ومواهبنا، فكان تقريره الباكي الموسوم بأدمعٍ سواكب، وبرغم بعد المسافة إلا أنني رأيتها بوجداني، حيث أفاد بصوت حزين: “لقد نهبت عصابة المرتزقة قناة أمدرمان تماما ودمرتها، ونهبت إذاعة المساء وأحرقتها، وسرقت صحيفة ألوان، ولم تترك حتى مكتبتها وأرشيفها”
وكان المخطط اللئيم إحالة أمن السودان وثقافته واقتصاده وتعليمه وإنسانه إلى خواء وخراب وبلقع، وللأسف كادوا عبر غفلتنا أن يفعلوا، لكن إرادة الله أبقت مافي النفوس أملا وعزةً وكبرياء، وهذا شعبٌ تعود أن يعتصر ألمه بالصبر والإيمان ويبدأ من جديد.
وبقليل من الإمكانات وبوقفة كريمة من بعض الأوفياء والأتقياء الأخفياء، وبكثير من الحب الرحيب لهذا الشعب، خرجت ألوان الإلكترونية (alwandaily.net) التي ملأت الدنيا وشغلت الناس
وبرغم حريق إذاعة المساء وتدميرها، فقد بقيت أبيات التعزية الوحيدة في مقطع الصديق التجاني سعيد وغنيوة الموسيقار الراحل محمد وردي:
ضاع الكلام ماتت حروف اللقيا قبال أهمسا
والله ما غابت محاسنك لحظة لا الجرح اتنسى
للّيلة ما وشوش نسيم في روضو وما غرد (مسا)
للّيلة ما سافر عبير في الطيب يغازل نرجسه
للّيلة يا حبي الكبير في حرقة لافِّيني الأسى
ورغم الحب الكبير والأسى الذي تدثر به القراء والمشاهدون والمستمعون، فإننا نبشر الإخوة من عشاق الثقافة والفن والفكر بأننا اليوم قد أطلقنا إذاعة المساء تحت شعارها الودود (إذاعةٌ للناس والحياة) .
عادت المساء من تحت الأنقاض والحطام باسقةً مثل النخلة وعاطرة مثل ورود الأماني والعروسات، بلا إمكانات إلا ندى الحق والخير والجمال، وقد أقسمنا أن نكمل الثلاثية بقناة أمدرمان الفضائية متعةً وشوقا للوطن، ورسالة صادمة لمعسكر التدمير والخيانة والعمالة، ودعما للشعب والجيش والشرعية بأن صوت الشعب وألوانه ونشيده وتشكيله لن يموت، فإن الذين صنعوا دولة 56 سوف يصنعون دولة الوسامة والحرية واليقين.
عادت إذاعة المساء فعاد للمجالس السمر وللوجوه الابتسامة وللقلوب الخفقات وللأوتار طلاوة العشق القديم.
هي دعوة للاستماع التجريبي الوسيم على الموقع: https://almasaaradio.com/
رسالة الجاحظ للجيش والمشتركة والمقاومة الشعبية
وقال الجاحظ: ليس شيء ألذ ولا أسر من عز الأمر والنهي، ومن الظفر بالأعداء، ومن تقليد المن أعناق الرجال لأن هذه الأمور تصيب الروح، وحظ الذهن وقسمة النفس.
أمراء وأمور
وقال عمرو بن مرة الجهني لمعاوية سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
(ما من إمامٍ أو والٍ، يَغلِقَ بابَه دون ذوي الحاجةِ و الخَلَّةِ و المسكنةِ، إلا أغلق اللهُ أبوابَ السماءِ دون خَلَّتِه و حاجتِه و مسكنَتِه)
وجاء النامي الشاعر لبعض الأمراء فحجبه، فقال:
سأصبر إن جفوت فكم صبرنا
لمثلك من أمير أو وزير
رجوناهم فلما أخلفونا
تمادت فيهم غير الدهور
فبتنا بالسلامة وهي غنم
وباتوا في المحابس والقبور
ولمّا لم ننل منهم سرورا
رأينا فيهم كلّ السرور
إن اليقين لا يرتبط بالأعمال والسنين
وقال فتح: رأيت بالبادية غلاما لم يبلغ الحلم وهو يمشي وحده ويحرك شفتيه فسلمت عليه فرد علي السلام، فقلت: إلى أين؟ فقال: إلى بيت ربي عز وجل فقلت:
بماذا تحرك شفتيك؟ قال أتلو كلام ربي، فقلت: إنه لم يجر عليك قلم التكليف؟ قال: رأيت الموت يأخذ من هوأصغر سنا مني، فقلت: خطاك قصيرة وطريقك بعيدة، فقال: إنما علي نقل الخطا وعليه البلاغ، فقلت: أين الزاد والراحلة؟ قال: زادي يقيني وراحلتي رجلاي، فقلت:
أسألك عن الخبز والماء، قال: يا عماه أرأيت لو دعاك مخلوق إلى منزله أكان يجمل بك أن تحمل زادك إلى منزله، قلت: لا، فقال: إن سيدي دعا عباده إلى بيته وأذن لهم في زيارته فحملهم ضعف يقينهم على حمل أزوادهم وإني استقبحت ذلك فحفظت الأدب معه، أفتراه يضيعني؟
فقلت: حاشا وكلا ثم غاب عن بصري فلم أره إلا بمكة فلما رآني قال: أيها الشيخ بعدك على ذلك الضعف من اليقين؟
ومن كرامات الموت أنه يجعل الناس سواسية
ولما مات الإسكندر قال أرسطاطاليس: أيها الملك لقد حركتنا بسكوتك، وقال بعض الحكماء من أصحابه: لقد كان الملك أمس أنطق منه اليوم، وهو اليوم أوعظ منه أمس. أخذه أبو العتاهية فقال:
كفى حزنا بدفنك ثم إنّي
نفضت تراب قبرك من يديّا
وكانت في حياتك لي عظات
وأنت اليوم أوعظ منك حيّا
وقال عبد الله بن المعتز:
نسير إلى الآجال في كلّ ساعة
فأيامنا تطوى وهنّ مراحل
ولم أر مثل الموت حتى كأنّه
إذا ما تخطّته الأماني باطل
وما أقبح التفريط في زمن الصبا
فكيف به والشيب في الرأس شاعل
ترحلّ من الدنيا بزاد من التقى
فعمرك أيام تعدّ قلائل
روشتة نوائب الدهر
إن نوائب الدهر لا تدفع إلا بعزائم الصبر.
ولله در القائل:
الدهر أدّبني والصبر ربّاني
والفوت أقنعني واليأس أغناني
وحنكتني من الأيام تجربة
حتى نهيت الذي قد كان ينهاني
أبيات صعبة لكنها صادحة، فسألوا أصحاب العلم إن كنتم لا تعلمون
أحد نساء الشكرية كان أبناؤها يموتون إذا بلغوا سن الخامسة فنذرت نذراً لو أن ابنتها هذه تعدت الخامسة سيغني عليها ولها شيخ العرب الحاردلو.
وعندما أتته من سفر بعيد وجدته قد أصبح شيخاً كبيراً ذهب عنه بهاء الشباب وشيطان الشعر، وعندما أخبرته بطلبها تبسم شيخ العرب واعتذر لها، إلا أنها جلست في داره تبكي وتبكي وراها طفلتها فَرَقَّ قلبه وعاده شيطان الشعر انتصاراً لهذه الحالة الانسانية، فسألها عن اسم طفلتها فقالت له: (معتوقه) وهو اسم لا يطابق أسماء البادية، ولكنهم كانوا يظنون بأن مثل هذه الأسماء الناشز تحمى حاملها من المصائب والشرور، وبخياله الشعري الدفاق تَخيلها قد شبت عن الطوق وأصبحت حسناء تستحق النسيب والغزل والمديح، فقال على السليقة والبديهة و(قطع أخدر) كما يقول السودانيون:
1
ها الأيام علي زايد حسار (معتوقة)
مآخد ليلي تام غمدة نهار ما بضوقة
جلد الما انسلخ لحمو انجلب في سوقة
كرفها قالو مُنعِش لي البشُم معشوقة
2
لخلوخةً تقوم مسايسة ومفروقة
بين التَقنَتين دَفق البصير ماروقة
إن جلست معاك وإن سِمِع منطوقة
علي المشببات بالحيل بعيد مَعْلَوقة
3
ديفة اليا زمان جفلن علي بانقوقة
دفقو الشاي صَرِف فوق عُقلته المشقُوقة
كان يا الليلة في قيد الحياة ود دوقة
نمن مو ملتق كان بجدعو فوقة
4
كُتْ في جَقْدَلة وفاقَة وشُوية روقة
علي الدنيا راضية العندي مِيِ مَمَحوقة
شن معناها هسع نَمَتِي المربُوقة
كانت ليك قبيل ما بتبقى كدي مسروقة