القوى السياسية .. غياب الرؤية

القوى السياسية .. غياب الرؤية

تقرير: الهضيبي يس

تعيش التنظيمات السياسية بالسودان حالة من التردي والتراجع المريع، مع دخول البلاد العام الرابع من (الحرب)، تلكم الأزمة يعزوها مراقبون كثر إلى عدم وجود سياسات واضحة المعالم لإدارة تلك التنظيمات السياسية، وهو ما يجعلها سهلة الانقياد والتخلي عن أي برنامج ومبدأ أخلاقي كانت تتبناه سابقًا. زد على ذلك وقوع التنظيمات السياسية السودانية في فخ الشد والجذب، ومجموعة مغريات جعلتها تنساق وراء أفكار وسياسات تم وضعها بشكل مسبق، هدفت لتمزيق الشخصية السياسية أمام الرأي العام وجعلها مشكوك النوايا وباهتة البرامج. إضافةً إلى أمر غاية في الأهمية، وهو غياب أي رؤية وطنية ذات علاقة لصيقة بتطورات ومتغيرات أوضاع البلاد السياسية والأمنية والاجتماعية، فقد مر (السودان) خلال ست سنوات ماضية بجملة تحولات دفعته لتلافي بعض الصدمات، بينما كان للبعض الآخر تأثير بالغ وبُعد إنساني، مع تدمير بنية الدولة، كما حدث مع مآلات حرب 15 من شهر أبريل لعام 2023.

 

 

عملية تكريس القوى السياسية للتوجه نحو إنفاذ مفاهيم الإقصاء، والتقليل من رؤية ودوافع البعض، خلق قدرًا من التشكيك مرورًا لمرحلة فقدان الثقة، مما أطر لدافع الانقسامات السياسية وقيام مجموعة تحالفات وكتل لم تستطع حتى الآن تشريح واقع ما بعد (الحرب)، وقراءة رغبات السودانيين سياسيًا، والدق على طبل (السلام) دونما البحث عن حاجة الشعب السوداني لهكذا مسألة وبأي طريقة، وهي قطعًا بخلاف التسويات الثنائية التي كثيرًا ما قامت في بلد مثل السودان على قسمة الثروة وحصص مقاعد السلطة، ممثلة بالجهاز التنفيذي والتشريعي.
فعلى سبيل المثال، عُقدت خلال العامين الماضيين عدة مؤتمرات ما بين عواصم الدول الأوروبية، سواء لندن وباريس وسويسرا ومؤخرًا (برلين)، ولم تُفضِ تلك التحركات، تحت طائلة الدواعي الإنسانية باسم السودان ومنظمات الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، لأي عائد يسهم في تخفيف معاناة ملايين السودانيين بمعسكرات النزوح داخليًا، واللجوء إلى دول الجوار من تشاد وأفريقيا الوسطى وليبيا والنيجر ومصر.
حيث إن هناك من يرى أنه ما لم تتشكل رؤية داخلية، فإن الحل من خارج الأطر الجغرافية لأي نزاع ينشب أو نشب في السودان لن يجدي نفعًا، بل سيضاعف حجم المسؤولية الواقعة على عاتق التنظيمات السياسية التي تتصدر المشهد، ولطالما عملت على تقديم نفسها أنها الأنسب لإدارة دفة التحولات الداخلية وإنهاء النزاعات المسلحة، حتى وإن اقتضى ذلك الذهاب باتجاه إقامة تحالفات خارجية على حساب الواقع الداخلي.
ويعتبر الباحث في الشؤون السياسية والناشط الاجتماعي معمر موسى أن أزمة التنظيمات السياسية في السودان، ومنذ نحو نصف قرن، تكمن في بنية التنظيم نفسه، والذي لطالما عمد على الانكفاء ناحية وحدة الموضوع والفكرة واستبعاد أي تطورات محتملة للمشهد، فضلًا عن ظهور مجموعات أخرى تشكلت نتيجة لدافع خطاب سياسي يجمع ما بين الصراع على بنية (السلطة) والاستحقاقات الاجتماعية، وهو ما أفرز جماعات حمل السلاح من المليشيات، وأفرغ أي رؤية وطنية من مضمونها.
ويضيف معمر: ما يجري الآن في الساحة السياسية السودانية خلط كبير ما بين التوجهات الوطنية والمفاهيم الشخصية، ما ترتب عليه تغييب لأي فعل سياسي بإمكان أن يُعوّل عليه السودانيون، لذا تجدهم يدفعون باتجاه التمسك بطوق نجاة (الجيش)، خصوصًا خلال هذه المرحلة الحرجة من عمر السودان، نظرًا لارتباط الفعل السياسي بواقعهم الأمني والاجتماعي عقب معايشة تجربة الحرب.
وأردف بقوله: (ما لم نعمل على استنباط كافة المتغيرات من حولنا ومعرفة أبعاد ومآلات الحرب مستقبلًا، فلن نستطيع الحفاظ على مكتسباتنا الوطنية، وهي قطعًا مهمة التنظيمات والتحالفات السياسية في السودان، بوضع من الخطط والبرامج وآليات التنفيذ ما يفي بالغرض، وجعل المؤسسات الوطنية أكثر تماسكًا أمام أي صدمات قد تتعرض لها، وأهم وأبرز ذلك إنفاذ ما يُصاغ من قوانين، الرقيب فيها التنظيمات والأحزاب السياسية عن طريق المؤسسة التشريعية (البرلمان).