
مؤتمر برلين .. محاولات خارجية لفرض واقعٍ سياسي مشوّه
مؤتمر برلين .. محاولات خارجية لفرض واقعٍ سياسي مشوّه
تقرير: مجدي العجب
في مشهدٍ يعكس اختلال موازين الفهم والاحترام لسيادة الدول، جاء مؤتمر برلين حول السودان كحلقة جديدة في سلسلة محاولات خارجية لفرض واقعٍ سياسي مشوّه، يتجاوز إرادة الشعب السوداني ومؤسساته الشرعية. فبينما تخوض البلاد معركة وجود ضد مليشيا متمردة ارتكبت أبشع الانتهاكات، اختارت بعض القوى الدولية أن تدير ظهرها للحكومة السودانية، وتفتح المنابر لمن تصفهم الخرطوم بمرتكبي الجرائم، تحت لافتة “الحياد” الزائفة. بيان وزارة الخارجية وتصريحات رئيس الوزراء لم يأتيا فقط للتنديد، بل لوضع النقاط على الحروف: لا سلام يُصنع في غياب الدولة، ولا شرعية لمنح التمثيل لمن يهدد كيانها. وبين هذا وذاك، يتكشف مؤتمر برلين كمنصة سياسية منحازة، تفتقر للمشروعية، وتعيد إنتاج ذات المقاربات الفاشلة التي لم تجلب للسودان سوى مزيد من التعقيد والاحتقان.
وللخارجية قولها السديد
وأصدرت وزارة الخارجية والتعاون الدولي السودانية بيانا فندت فيه المزاعم التى تقودها شلة تقف خلف مليشيا الجنجويد بدعم من حكومة ابوظبي التى تشكل الداعم الاقليمي للمليشيا. وقالت الخارجية أن الحكومة الألمانية أعلنت عن تنظيم ما أسمته بمؤتمر السودان ببرلين فى يوم 15 أبريل 2026، وإذ تعرب حكومة السودان عن بالغ دهشتها وإستنكارها لعقد هذا المؤتمر عن السودان، فإنها تستغرب أن تجئ هذه الخطوة المغلفة بإهتمام بالشأن الإنساني دون تشاور وتنسيق مع حكومة السودان ودعوتها، وتجاهل الرؤى المطروحة من الدولة السودانية ومؤسساتها الرسمية مما يعكس نهج الوصاية الإستعماري الذى لا تزال تمارسه بعض الدول الغربية وتحاول من خلاله فرض أجندتها ورؤيتها على الدول والشعوب الحرة.
واضاف البيان إنّ السودان وشعبه، وهو صاحب المصلحة الأول والأخير، لن يقبل أن تتنادى دول ومنظمات إقليمية ودولية لتقرر في شأنه و تتجاوز الحكومة السودانية وتختبئ خلف ذريعة الحياد لتبرير تجاهل السودان في هذا الإجتماع، وهي حجة لا قيمة لها، وأمر مرفوض ويشكل سابقة خطيرة في العلاقات الدولية. فالمساواة بين الحكومة وجيشها الوطني من جهة، ومليشيا إرهابية مجرمة متعددة الجنسيات تستهدف مؤسسة الدولة ووجودها نفسه وتمارس الإبادة الجماعية وأسوأ إنتهاكات حقوق الإنسان، من الجهة الأخرى، من شأنه تقويض أسس الأمن الإقليمي والدولي، وتشجيع هذه المليشيا والحركات الإرهابية الشبيهة في أفريقيا والشرق الأوسط على تصعيد أنشطتها الإجرامية، وإتخاذ ذلك ذريعة لقوى أجنبية لتجاهل سيادة الدول المتضررة وحكوماتها بدعوى الحياد. وقال البيان إنّ التحدي الحقيقي الذي يواجه هذا المؤتمر، كما واجه سابقيه من قبل، ليس حول حضور المؤتمر والمشاركة فيه من عدمها، بل حول التصور المركزي الذي تنطلق منه فكرة المؤتمر ومنهج تعريف الحرب المفروضة على السودان وشعبه وتبنى تصورات لإنهائها وإيقافها وكل ذلك ينطلق من توصيفات خاطئة وغير دقيقة ومتحاملة ولا تنتج سلاماً أو إستقراراً بل تقود إلى مزيد من الإستقطاب وإعطاء حق التحدث وتمثيل السودان إلى مجموعات محدودة وصغيرة الحجم وتجاهل وتغييب الدولة السودانية وغالب أهل السودان المكتوين بنار الحرب يومياً. إنّ مؤتمر برلين هو إمتداد لمؤتمري باريس ولندن ويسير على ذات النهج المعطوب وغير المقبول، وتمثل هذه السلسلة من المؤتمرات غير المنتجة إستخفافاً بالغاً بمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة ومبدأ سيادة الدول أساس النظام الدولي المعاصر، ومحاولة غير مقبولة لإنتاج عهد الوصاية من جديد، ولم ولن تنتج مثل هذه المؤتمرات سوي مكافأة المليشيا الإرهابية وداعميها بالخارج وجناحها السياسي وتوفير منصة لهم بدعوتهم للمشاركة ومواصلة إرتكابهم للجرائم المروعة فى حق الدولة السودانية وشعبها العظيم و بنياتها الأساسية.
وأكدت حكومة السودان حرصها الأكيد على السعى المستمر لتحقيق السلام والإستقرار وإنهاء الحرب المفروضة عليه وعلى الشعب السوداني، وفى هذا الإطار تقدمت بمبادرة السودان للسلام أمام جلسة مجلس الأمن فى ديسمبر من العام 2025، وتؤكد كذلك إنفتاحها تجاه كل مبادرات السلام الجادة والنزيهة التى يتم فيها التشاور والتنسيق معها وبما يحترم سيادة السودان ووحدة وسلامة أراضيه ويحقق مصالح أهل السودان العادلة، وتعلن حكومة السودان أنّ أي مبادرة لا تتسق مع هذه المبادئ ستكون مرفوضة وغير مقبولة.
رئيس الوزراء: لا يعنينا
أكد بروفسير كامل ادريس رئيس مجلس الوزراء أن مؤتمر برلين المنعقد هذه الأيام، لا يعني حكومة وشعب السودان في شيء، وبالتالي نتائجه أيضا لا تعنيهم. وأوضح في مؤتمر صحفي عقده امس بالخرطوم، انه لم تتم دعوة حكومة السودان للمشاركة في المؤتمر، مشيرا إلى أن غياب الحكومة يعد خطأ فادحا من قبل الجهات المنظمة له، وان غياب الحكومة يبشر بفشل المؤتمر.
ولفت رئيس الوزراء إلى أن الحلول الجزئية لا يقبلها شعب وحكومة السودان، مشيرا في هذا الصدد للوقفات الإحتجاجية التي تعبر عن رفضهم للحلول المفروضة، مبينا أنه إذا قدمت الدعوة للحكومة لشاركت واوضحت الحقائق، مبينا أن المؤتمر يعد حدث وليس صيرورة.
وجدد بروفيسور كامل انفتاح حكومة الأمل على كل الجهود التي تؤدي إلى تحقيق السلام، معتبرا العام 2026 عام السلام، لكنه سلام الشجعان المنتصرين الذي يرتضيه أهل السودان قاطبة.
واضاف، سنواصل الاتصالات الإقليمية والدولية ومع الأمم المتحدة ووكالاتها، وكل ألوان الطيف بما في ذلك الدول المشاركة في المؤتمر .
مؤتمر برلين فضيحة
ويقول الليبرالي الشهير مستشار حملة سودان المستقبل عادل عبدالعاطي وهو احد السياسيين الذين قادوا المظاهرة ضد مؤتمر برلين: ان المظاهرة الكبرى ضد تزييف الإرادة السودانية في مؤتمر برلين نجحت نجاحاً باهراً. واضاف في حديث ل”ألوان ” شكل الحضور مزيجاً من كل الفسيفساء السودانية حيث حضر عدد كبير جداً من المملكة المتحدة من تجمع السودانيين بالخارج حضر الشرفاء من سويسرا وحضروا من إيطاليا وكذلك من فرنسا ومن بولندا ومن هولندا تقريبا كان المئات من السودانيين لا يستطيع حصرهم بالضبط ولكن لا يقل عن 200 وربما لا يزيد عن 300 وهذه تعتبر تظاهرة ناجحة لأنها تظاهرة أوروبية وأوروبا يعني تكاليف السفر فيها عالية وخصوصا بعد حرب الخليج وارتفاع أسعار الطيران ولكن فرق هؤلاء الوطنيون أنفسهم وحضروا من كل أطراف أوروبا الشرقية والغربية والجنوبية والشمالية ليتظاهر ضد تزييف الإرادة السودانية فالمؤتمر كان فضيحة بكل المقاييس وكل التعليقات الجادة والتعليقات الرصينة حتى من بعض القوى التي محسوبة على المؤتمر على المعسكر المعادي للدولة فهو مؤتمر فاشل لأن التمثيل فيه أولا لم يكن متوازن إطلاقا فقد تم تمثيل قحط (صمود) والتي ليس لها أي وزن على الأرض لا على المستوى العسكري ولا على المستوى السياسي ولا على المستوى الجماهيري. واضاف ومن ثم غابت فيه الحكومة السودانية والتي تسيطر على 13 ولاية من ولاية السودان الـ 18 بالاضافة الى وجودها في جزء ولاية شمال دارفور. وذهب عبد العاطي في حديثه لنا قائلا: عمليا هذا المؤتمر لا يمكن أن يبحث في الشأن الإنساني ويغيب اصحاب الشأن فلم يحضر أي شخص من النازحين ولا من اللاجئين من المنظمات الإنسانية التي تعمل في السودان فكيف يستقيم ذلك. ان تقيم مؤتمرا عن السودان بدون مشاركة السودانيين؟. وقال عادل ان مجموعة صمود هذه القلة وهذه المجموعة المحسوبة على الأمارات لا يمكن أن تكون ممثل للسودانيين فقد كانوا يختبئون ويدخلون بالأبواب الخلفية ويخرجون بالأبواب الخلفية برغم وجود عدد كبير جدا من الشرطة كانت هناك عشرات السيارات من الشرطة ومئات من عناصرها ولكن كانوا يهابون مواجهة السودانيين كانوا يهابون مواجهة هذا الصوت الواضح للمجتمع المدني السوداني فكان الشعب بمختلف القوى فقد وجدنا هناك من اليسار واليمين والوسط والليبراليين والإسلاميين وغيرهم كلهم كانوا موجودين هناك ليس بهوياتهم السياسية وإنما في المقام الأول باعتبارهم سودانيون.
فشل برلين
فيما يرى محللون سياسيون أن مؤتمر برلين حول السودان جاء فاقدًا لأبسط مقومات الشرعية السياسية والأخلاقية، إذ انعقد في غياب الطرف الأصيل في الأزمة، أي الحكومة السودانية، كما غابت عنه الأصوات الحقيقية للمتضررين من الحرب، وعلى رأسهم ملايين النازحين الذين يدفعون ثمن الصراع يوميًا. ويؤكد المحللون السياسيون الذين استطلعتهم “ألوان” أن أي منصة دولية تُبنى على تجاوز الدولة الوطنية ومؤسساتها، لا يمكن أن تنتج حلولًا واقعية، بل تكرّس لفوضى التمثيل وتمنح أدوارًا سياسية لجهات مثيرة للجدل لا تعكس الإرادة الشعبية.
ويذهب المحللون إلى أن إشراك تحالفات سياسية بعينها، دون توافق وطني شامل، يعكس اختلالًا واضحًا في منهج إدارة الملف السوداني دوليًا، ويطرح تساؤلات جدية حول معايير اختيار المشاركين، وما إذا كانت هذه المؤتمرات تسعى فعلاً لإنهاء الحرب، أم لإعادة تشكيل المشهد السياسي وفق تصورات خارجية. ويشددون على أن تغييب الحكومة لا يُفسَّر كحياد، بل كإقصاء مباشر يضرب مبدأ السيادة في مقتل.
ضجيج سياسي
ومع ذلك كله نؤكد أن الطريق إلى السلام في السودان لا يمكن أن يُعبَّد عبر مؤتمرات تُدار من الخارج وتُبنى على تغييب الدولة وتهميش أصحاب المعاناة الحقيقية. فسلامٌ يُصاغ بعيدًا عن مؤسسات الحكم الشرعي وإرادة الشعب، لن يكون سوى تسوية هشة قابلة للانهيار عند أول اختبار. فإي جهد دولي جاد يجب أن ينطلق من احترام سيادة السودان، والاعتراف بدور حكومته، والاستماع لصوت مواطنيه، لا استبدالهم بواجهات لا تملك تفويضًا شعبيًا. دون ذلك، سيظل ما يُطرح مجرد ضجيج سياسي لا يوقف حربًا ولا يصنع وطنًا.