محجوب أبوالقاسم يكتب: كافوري بين العودة والأمل هل تستجيب سيقا للمسؤولية الغائبة؟

*محجوب أبوالقاسم*

*يكتب*

*كافوري بين العودة والأمل هل تستجيب سيقا للمسؤولية الغائبة؟*

لم تترك الحرب اللعينة التي اشعلتها مليشيا آل دقلو في السودان شيئا إلا وأصابته بسهامها مدن خلت من أهلها وأحياء تحولت إلى أطلال ومجتمعات أنهكها النزوح والفقر وفقدان الأمان لكن وعلى الرغم من هذا الخراب الواسع لم تنكسر إرادة الناس ظل الحلم بالعودة حاضرا وظلت الرغبة في استعادة الحياة أقوى من كل آثار الدمار.

لقد شهدت البلاد خلال الفترة الماضية جهودا مقدرة لإعادة المواطنين إلى مناطقهم شاركت فيها جهات رسمية وشعبية على حد سواء بدءا من منظومة الصناعات الدفاعية التي سيرت رحلات العودة مرورا بجهاز المخابرات العامة ولجنة الامل للعودة الطوعية وصولا إلى رجال الأعمال وأهل الخير الذين أدركوا أن إعادة الإعمار تبدأ بعودة الإنسان إلى أرضه ولم يقف العطاء عند هذا الحد بل امتد ليشمل مبادرات مجتمعية فردية سارع كل مقتدر إلى الإسهام في تهيئة بيئته لاستقبال العائدين من اهله في مشهد يعكس أصالة التكافل السوداني.

ومن بين هذه النماذج المضيئة يبرز رجال بر وإحسان ضربوا أروع الأمثلة في المسؤولية الوطنية فأسهموا في إنارة الطرق وبسط الأمن وتوفير الخدمات الأساسية حتى تعود الحياة تدريجيا إلى الأحياء والقرى، هذه الجهود لم تكن مجرد دعم مادي بل كانت رسالة معنوية تعيد الثقة وتبعث الأمل في نفوس المواطنين.

غير أن الصورة ليست مكتملة في كل مكان
ففي حي كافوري مربع (1) تتجلى مفارقة مؤلمة بين إرادة العودة وغياب الدور المؤسسي لبعض الجهات الكبرى، وعلى رأسها مصنع سيقا للغلال الذي يقع في ذات النطاق الجغرافي للحي إذ يجد السكان أنفسهم في مواجهة تحديات معقدة رغم وجود هذا الكيان الاقتصادي الكبير الذي يفترض أن يكون شريكا أصيلا في دعم المجتمع المحلي.

لقد طرقت لجنة الحي أبواب مصنع سيقا للغلال بخطابات رسمية ومتكررة مطالبة بأداء دوره في إطار المسؤولية المجتمعية لكن تلك المناشدات حتى الآن لم تجد الاستجابة المطلوبة وهو أمر يثير تساؤلات مشروعة حول دور المؤسسات الاقتصادية في مثل هذه الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.

المشكلة في كافوري لم تعد مجرد نقص خدمات بل تحولت إلى مهددات حقيقية تمس الأمن والصحة العامة، فالحي يعاني من انعدام الإضاءة ما يفتح الباب أمام المخاطر الأمنية إضافة إلى غياب التشجير وتدهور البيئة نتيجة مخلفات المصانع وإهمال المرافق العامة وعلى رأسها الحديقة التي كانت يوما متنفسا للسكان كما تتكرر معاناة الأهالي مع موسم الخريف في ظل غياب المساهمة في أعمال الردميات الضرورية.

الأخطر من ذلك هو الوضع البيئي شرق الحي حيث تجمعت مياه ملوثة قرب المقابر تحتوي على جثامين متحللة منذ أيام الحرب ما أدى إلى انتشار الروائح الكريهة والحشرات وأصبح ينذر بكارثة صحية حقيقية قد تمتد آثارها إلى السكان وحتى إلى سلامة المنتجات الغذائية بما فيها منتجات مصنع سيقا نفسه.

ورغم محدودية الإمكانيات لم يقف سكان الحي مكتوفي الأيدي بل بادروا إلى معالجة المشكلة بجهود ذاتية في مشهد يعكس روح المسؤولية المجتمعية من القاعدة، لكن حجم التحدي يفوق قدراتهم ما يجعل تدخل الجهات القادرة أمرا لا يحتمل التأجيل.

من هنا تأتي المناشدة الصادقة إلى رجل الأعمال أسامة داؤد بأن يحذو حذو نظرائه من رجال الأعمال الوطنيين الذين سبقوه في دعم مجتمعاتهم وأن يوجه المختصين في مصنع سيقا للغلال للقيام بدورهم تجاه هذا الحي عبر الإسهام في إنارة الشوارع وتشجيرها وتأهيل الحديقة العامة ومعالجة المخلفات ودعم الخدمات الأساسية مثل المخابز ونقاط البيع المباشر.

إن ما يطلبه سكان كافوري ليس ترفا بل هو الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة بيئة نظيفة وأمن مستقر وخدمات أساسية تحفظ كرامة الإنسان.

ففي زمن ما بعد الحرب لا يقاس دور المؤسسات بحجم أرباحها فقط بل بمدى التزامها تجاه مجتمعاتها فإعادة الإعمار ليست مسؤولية الدولة وحدها بل هي واجب مشترك تتكامل فيه الأدوار بين الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع.

كافوري اليوم ليست مجرد حي يطلب خدمة بل اختبار حقيقي لمعنى المسؤولية المجتمعية في السودان فهل ستسجيب سيقا؟

ولنا عودة