حسن بشير يكتب: الشباب ومستقبل إدارة المحليات

ضربة جزاء

حسن بشير

الشباب ومستقبل إدارة المحليات

تُعد وحدات الحكم المحلي خط التماس الأول بين الدولة والمواطن، إذ تُقدِّم الخدمات الأساسية التي تمس الحياة اليومية، مثل الصحة والتعليم والنظافة وتنظيم الأسواق. ومع تسارع التحديات وتغير أولويات المجتمع، برزت قناعة راسخة بأن تطوير أداء المحليات لن يتحقق دون إشراك حقيقي للشباب وضخ دماء جديدة في هياكلها الإدارية والتنفيذية.
يكشف الواقع الحالي عن فجوة واضحة؛ فغالبية الكوادر العاملة في المحليات تنتمي إلى أجيال سابقة، تمتلك خبرة تراكمية مقدّرة، لكنها في كثير من الأحيان تفتقر إلى الأدوات الحديثة والحماس المطلوب لمواكبة إيقاع العصر. وقد أفرز هذا الوضع بطئًا في الإجراءات، وضعفًا في الاستجابة لشكاوى المواطنين، وتراجعًا في مستوى الرضا العام عن الخدمات. من هنا يبرز دور الشباب كحل عملي، لا كخيار ترفي.
ما الذي يضيفه الشباب؟
أولاً: الطاقة الميدانية. فالعمل المحلي لا يقتصر على المكاتب، بل يشمل متابعة حملات النظافة فجراً، والإشراف على الأسواق، وحصر المخالفات، وهي مهام تتطلب جهداً وحضوراً مستمراً في الميدان، وهو ما يتوفر لدى الشباب.
ثانياً: العقلية الرقمية. لا يمكن الحديث عن إصلاح إداري دون التحول الرقمي؛ من تحصيل الرسوم إلكترونيًا، إلى استخراج الشهادات عبر التطبيقات، وصولاً إلى إنشاء منصات لتلقي البلاغات. وهي مجالات يتقنها الجيل الجديد، مما يسهم في تقليل التزاحم والحد من التجاوزات.
ثالثاً: رؤية مختلفة للأولويات. فالشباب أكثر قرباً من فهم احتياجات أقرانهم، مثل دعم المشروعات الصغيرة، وتوفير الساحات الرياضية، وتهيئة البيئة للأنشطة الثقافية، وصيانة المدارس. وستجد هذه الملفات اهتمامًا أكبر عندما يكون متخذ القرار جزءًا من هذه الفئة.
الطريق نحو الإشراك الفاعل
حتى لا يتحول الأمر إلى مجرد شعارات، لا بد من خطوات عملية تبدأ بـالتأهيل والتدرج. وذلك عبر إلحاق الخريجين المميزين بدورات متخصصة في قانون الحكم المحلي، والإدارة المالية، والتخطيط العمراني، لتأهيلهم بشكل مهني. يلي ذلك الدفع بهم إلى وظائف وسيطة، مثل مساعدي ضباط إداريين ومديري وحدات صغيرة، لاكتساب الخبرة تحت إشراف القيادات الحالية.
أما النقطة الثانية، فهي إتاحة الفرصة في المجالس التشريعية المحلية عند تكوينها، حيث تضطلع هذه المجالس بدور رقابي وتشريعي مهم. إن وجود تمثيل شبابي ونسائي فاعل فيها يضمن أن تعكس خطط المحلية تطلعات مختلف فئات المجتمع.
كما لا يمكن إغفال أهمية المبادرات المجتمعية، عبر تكوين أجسام شبابية طوعية تُساند المحليات في حملات التشجير، وإصحاح البيئة، والتوعية الصحية، بما يسهم في بناء جسور الثقة بين الإدارة والمواطن، وإعداد قيادات مستقبلية.
التكامل لا الإحلال
إن الدعوة إلى ضخ دماء جديدة لا تعني الاستغناء عن أصحاب الخبرة، بل تقوم على مبدأ التكامل. فالمعادلة الناجحة تتمثل في الجمع بين حكمة الكبار وحماس الشباب؛ حيث تمنع الخبرة التسرع، وتكسر الطاقة حالة الجمود. ومن هذا التوازن يتشكل فريق عمل قادر على إحداث نقلة نوعية في الأداء.
ختاماً، فإن تمكين الشباب داخل أجهزة الحكم المحلي يمثل استثماراً حقيقياً في تحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطن، ورسالة واضحة بأن المستقبل يُصنع بسواعد أبنائه. إن تنمية المحليات تبدأ من تجديد عقليتها، وأولى خطوات هذا التجديد هي فتح الباب أمام الطاقات الشابة المؤهلة والراغبة في خدمة مجتمعاتها.